زيارة ترامب للسعودية.. ترويض العنصرية بالاستثمار والعلاقة مع إسرائيل!

زيارة ترامب للسعودية.. ترويض العنصرية بالاستثمار والعلاقة مع إسرائيل!

محمد بن سلمان في ضيافة دونالد ترامب بالبيت الأبيض في آذار/مارس 2017 (الأناضول)

يردّد علماء الاقتصاد نظرية تقول إن "الاقتصاد يُفسّر السياسة، لأن السياسة هي نتاج للوضع الاقتصادي بشكل أو بآخر"، وعلى ما يبدو فإن العلاقات الخارجية التي تجمع السعودية بالولايات المتحدة الأمريكية في عهد دونالد ترامب، تدلّل على صحة تلك النظرية، حيث جاء إعلان الولايات المتحدة عن الجولة الخارجية لدونالد ترامب خلال الشهر الجاري، وعلى رأسها زيارته الأولى للسعودية، التي أثارت صخبًا كبيرًا في وسائل الإعلام، ربما ليوضّح تاريخية العلاقة الحالية، سواء الاقتصادية أو السياسية بين البلدين.

وخلال جولته أيضًا يزور ترامب إسرائيل والفاتيكان، قبل أن يتجه لاجتماعات حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ومن هناك إلى قمة مجموعة الدول الصناعية السبع. ليُفسر البعض خريطة التحركات هذه بالرمزية الدينية للدول الثلاثة، السعودية وإسرائيل والفاتيكان.

تؤكد العلاقات الأمريكية السعودية على نظرية أن الاقتصاد يُفسر السياسة لتأثيره الأول فيها

وتكمن أساسًا الضجة التي أُثيرت بخصوص زيارة ترامب المنتظرة للسعودية، على خلفية ما جرى عليه العرف الأمريكي، بأن أولى الجولات الخارجية للرؤساء الأمريكية عادة ما تضمن زيارات لدول ترتبط بهم جغرافيًا وثقافيًا، وفي حال زيارة الشرق الأوسط، غالبًا ما تكون الوجهة الأولى هي مصر. ولكن على ما يبدو، فإن ترامب يعتقد بالأهمية الأبرز للدور السعودي في المنطقة القلقة، وهو ما يبدو مخالفًا لما كان عليه الرئيس السابق باراك أوباما.

تحوّل جذري في الرؤى والعلاقات الأمريكية السعودية

بعد الانتكاسة التي لحقت بالثورات العربية في عدة دول، وما انبنى عليه من ظهور مدوٍّ لقوى إرهابية، خفضت الولايات المتحدة منذ نهاية عهد أوباما، من خطابها المبشر بالديمقراطية في المنطقة، وباتت تتحدث من منطلق الاستقرار والسعي إليه لعدم الانجرار إلى المزيد من الخسائر المادية والبشرية التي تخلفها الصراعات المسلحة في المنطقة، باعتبارها قيمة سابقة على ما عداها. وعليه انتهت الإدارة الأمريكية الحالية إلى التعامل مع المنطقة باعتبارها تمثّل أمرًا واقعًا، له ظروفه وثقافته الخاصة إلى جانب أسلوب حكمه المختلف.

اقرأ/ي أيضًا: أوباما والتدخل العسكري.. مسرحية من ثلاثة فصول

لذلك يقول بعض المحللين إن اختيار دونالد ترامب للمملكة العربية السعودية كمحطة أولى في زياراته الخارجية، كرئيس للولايات المتحدة الأمريكية، يعني أنه ينظر للعالم من موقع "رئيسي" لمخاطبة حلفائه الذين ربما يشاركونه نفس الرؤية السياسية، وعلى رأس هؤلاء السعودية التي تمثّل الوجهة السياسية المثالية في المنطقة بالنسبة للولايات المتحدة تحت إدارة ترامب، بخاصة مع صعود محمد بن سلمان بسياسات جديدة، بالإضافة إلى أنها توازن الأمن الاستراتيجي لأمريكا في المنطقة، بعكس رؤية أوباما التي كانت تتجه نحو تركيا.

رسائل ترامب للعرب

يستخلص عدد من الباحثين في العلاقات الدولية مجموعة أهداف لهذه الزيارة، أهمها أن السعودية يمكنها أن تدمج نفسها بغالبية دول العالم الإسلامي، باعتبارها تمثّل الوجهة الأولى للمسلمين في المنطقة لاعتبارات دينية، ولهذه الاعتبارات أيضًا فيبدو أن من بين أهداف ترامب إظهار الاحترام للسعودية لاشتمالها مركزًا دينيًا للمسلمين. هناك هدفٌ آخر يتمثل في رغبة الولايات المتحدة إرسال رسالة لإيران من جهة، والمنطقة العربية من جهة أخرى، توضح فيها طبيعة تحالفاتها الأساسية.

أيضًا وعلى ما يبدو فإنه بالفعل "لا يمكن مكافحة الإرهاب من دون السعودية" كما قال وزير الخارجية السعودي عادل الجبير، وربما يشاركه ترامب نفس الاعتقاد، وعليه فإن محاربة التنظيم الإرهابي الأخطر في العصر الحديث (داعش)، يستلزم تعاونًا دوليًا إقليميًا، لا مفر من أن تكون السعودية من بين رؤوسه الأبرز. وهذه الزيارة أيضًا رسالة مفادها الانتهاء من الاتهامات الأمريكية السابقة للسعودية بدعمها التطرف، ودورها في هجمات 11 أيلول/سبتمبر. 

اقرأ/ي أيضًا: هل نشهد حربًا أمريكية على إيران قريبًا؟

صراعات مشتركة في المنطقة بين ترامب وآل سعود

عداء السعودية للثورات العربية يأتي على هوى ترامب الذي كرر سابقًا مدائحه لأغلب القادة العرب الذين قامت ضدهم الثورات العربية، وهؤلاء الذين أجهضوها لاحقًا. أيضًا ثمة صراع عسكري آخر في المنطقة غير السوري، إنه الصراع المسلح في اليمن الذي يبدو أن السعودية قد تورطت فيه الآن، بعد أكثر من عامين من اندلاعه، وقيادة السعودية لتحالف عربي عسكري ضد الحوثيين المدعومين بقوة من إيران. هذه الزيارة المنتظرة من ترامب للسعودية قد تقدم اتفاقًا يفضي إلى مساعدة عسكرية تُسرع من نهاية الحرب في اليمن.

عداء إيران يجمع كلًا من السعودية وأمريكا بإدارة ترامب في خندق واحد، ويُعززه شبه التقارب بين السعودية وإسرائيل، اللتين التقيتا في العديد من المناسبات والمحافل غير الرسمية، وفقًا لمستشار الأمن القومي الإسرائيلي الأسبق يعقوب عميدور. كل ذلك يُمهد لاندماج شبه كامل في الرؤى السياسية الأمريكية السعودية.

مهدت سياسة محمد بن سلمان لتوطيد العلاقات مع إدارة ترامب (نيكولاس كام/ أ.ف.ب)
مهدت سياسة محمد بن سلمان لتوطيد العلاقات مع إدارة ترامب (نيكولاس كام/ أ.ف.ب)

ترامب والسعودية.. زواج صالونات قائم على المصالح

منذ شهور قليلة، نقلت وكالة أنباء رويترز عن مصدر سعودي رفيع المستوى، أن اتصالًا هاتفيًا جرى بين ترامب والعاهل السعودي سلمان بن عبدالعزيز، استمر لأكثر من ساعة، قائلًا إنه يتوقع أن تشهد هذه الفترة بالتحديد "علاقات تاريخية بين البلدين".

ومن جانبه، قال مسؤول أمريكي، إن "الولايات المتحدة على وشك استكمال سلسلة من صفقات الأسلحة للسعودية تزيد قيمتها عن 100 مليار دولار، وإن هذه الحزمة قد تزيد في نهاية المطاف عن 300 مليار دولار خلال عشر سنوات، لمساعدة السعودية على تعزيز قدراتها الدفاعية".

هذا بخلاف صفقات الأسلحة الأمريكية الأخرى إلى السعودية، والتي تخطّت 70 مليار دولار منذ 2010 حتى الآن، باستثناء الأسلحة النووية، في حين تصل صفقات القوتين الإقليميتين سواء تركيا أو إيران حوالي 30 مليار دولار، من دول مختلفة وليس من أمريكا وحدها. لذلك ربما تعتبر السعودية هي الدولة الأهم في المنطقة في الاستيراد العسكري الأمريكي.

وبحسب آخر الإحصائيات فإن السعودية تحتّل المرتبة الأولى عربيًا من حيث الاستثمارات في السندات الأمريكية، حيث بلغت 116.8 مليار دولار، في حين قال فواز جرجس رئيس قسم دراسات الشرق الأوسط في كلية لندن للاقتصاد إن "الأصول تتراوح قيمتها بين 700 مليار دولار إلى تريليون دولار"، وقد هدّدت السعودية ببيعها مرارًا، في حال اتهمت بالتورط في هجمات 11 أيلول/سبتمبر، أو مرر قانون يسمح بذلك.

تمتلك السعودية أصولًا في الولايات المتحدة بقيمة تتراوح ما بين 700 مليار إلى تريليون دولار

يُضاف إلى ذلك ما أشار إليه ترامب في بداية فترته الرئاسية، إلى الصورة غير اللائقة لتعامل أوباما مع السعودية، بتعبيره، مُؤكدًا أنه يضع في الاعتبار الاستثمارات السعودية الضخمة في الولايات المتحدة، لذا فإنه واضح ذهابه للحصول على أقصى استفادة مادية من ملوك النفط. وفي هذا الصدد يُذكر تصريح ترامب الشهير خلال فترة الحملة الانتخابية، الذي قال فيه: "أنا أُحب السعوديين، فهم يشترون الكثير من الشقق التي أبنيها"!

إذن، وكما قال بنفسه، يُحب ترامب السعودية حبًا قديمًا مبنيًا على المصلحة في المقام الأول، وهو الذي سبق وأن شبهها بـ"البقرة الحلوب"، ومتى جفّ حليبها فسيذبحها، فهو في كل الأحوال المستفيد. هذا الحب تُرجم أول ما ترجم في استثنائها من قرار منع دخول الولايات المتحدة، والذي تضمن سبع دول من المنطقة. لكنه في المقابل واضحٌ في التعبير عن طبيعة حبه هذا، بمطالبته المتكررة للنظام السعودي بدفع المليارات مقابل الدفاع داخليًا وخارجيًا عن آل سعود.

اقرأ/ي أيضًا: حرب دونالد ترامب المقدسة

يُدرك ترامب إذن أن بقاء آل سعود على رأس الحكم في دولة متأثرة من أزمة اقتصادية، وصراع خافت بين أبناء الأسرة الحاكمة؛ مرهون بدرجة كبيرة بدعم قوي من الولايات المتحدة، وهو بدوره دعمٌ مرهون بمليارات السعودية، التي يُدرك ترامب أنها لن تصل لجيبه إلا بوجود آل سعود على رأس الحكم. وفي المقابل تدرك السعودية ذلك أيضًا، لذا اتجهت إلى ما يُمكن تسميته بترويض ترامب -الذي بدى أرعن مع بداية حكمه وما قبله- بعروض سخيّة، على طريقة "بفلوسك وبمالك هتنول اللي في بالك". هي دائرة إذن من المصالح المتشابكة التي تجمع قوتين مُؤثرتين إقليميًا، ودوليًا، ببعضهما البعض.

 

اقرأ/ي أيضًا:

أمريكا وصفقة الجزر المصرية.. أوان رد الفعل

هل ستحاسب أمريكا السعودية على 11 سبتمبر؟