ultracheck
  1. عشوائيات
  2. مجتمع

زلزال كولومبيا.. سباق مع الوقت تحت الأنقاض وأزمة إنسانية تتكشف

12 أغسطس 2026
زلزال كولومبيا
زلزال كولومبيا (رويترز)

بعد نحو 30 ساعة قضتها عالقة بين أنقاض مبنى في مدينة كالي، خرجت ديانا ترونكوسو حية. كانت الشابة البالغة من العمر 31 عامًا واحدة من الناجين الذين تمكنت فرق الإنقاذ الكولومبية من الوصول إليهم، وسط تصفيق وهتافات أشخاص تجمعوا حول المكان.

لكن إنقاذ ترونكوسو كان الوجه النادر والمضيء لكارثة تتكشف أبعادها مع مرور الساعات. فبينما تدخل عمليات البحث يومها الثالث، يضيق الوقت أمام فرق الإنقاذ التي تواصل تفتيش المباني المنهارة بحثًا عن مفقودين، في وقت ارتفعت فيه حصيلة الزلزال إلى ما لا يقل عن 181 قتيلًا، بينما تتباين أعداد المصابين بين المصادر الرسمية والإنسانية مع استمرار عمليات الحصر.

ضرب الزلزال، الذي بلغت قوته 7.4 درجات، غرب كولومبيا صباح الإثنين 10 آب/أغسطس، وكان مركزه بالقرب من سان خوسيه ديل بالمار في مقاطعة تشوكو قليلة السكان. ووفق هيئة المسح الجيولوجي الكولومبية، فهو أقوى زلزال يسجل في البلاد خلال القرن الحادي والعشرين، بينما وصفته تغطية لوكالة رويترز بأنه الأقوى الذي يضرب كولومبيا منذ نحو قرن. وذكرت هيئة المسح الجيولوجي الأميركية أنه وقع على عمق 107 كيلومترات.

ورغم هذا العمق الكبير، خلف الزلزال دمارًا واسعًا في عدد من مدن غرب البلاد ووسطها الغربي، ولا سيما بيريرا وكالي ومانيزاليس وكيبدو وأرمينيا. وكانت مقاطعات ريزارالدا وفايي ديل كاوكا وتشوكو وكالداس وكينديو من بين المناطق الأكثر تضررًا.

الساعات الحاسمة

في بيريرا وكالي، تعمل فرق الإنقاذ والشرطة والجيش والمتطوعون جنبًا إلى جنب. وأظهرت مشاهد ميدانية رجالًا ونساء يرفعون قطع الركام بأيديهم، فيما تنقل الشاحنات الأنقاض بعيدًا عن مواقع المباني المنهارة.

وتشارك فرق متخصصة وكلاب بحث في تفتيش أكثر من 1100 منزل ومبنى منهار، بينما تنتظر عائلات أمام أكوام الركام أي خبر عن أقاربها.

وتختلف أرقام المفقودين بحسب الجهات التي تجمع البيانات. وتشير الأرقام الرسمية إلى نحو 195 مفقودًا، في حين تلقت قاعدة بيانات غير رسمية تحمل اسم "كولومبيا تبحث عنك" (Colombia te busca)، أكثر من أربعة آلاف بلاغ بحث عن أشخاص لم يتمكن أقاربهم من الوصول إليهم.

في هذه المسافة الضيقة بين البحث عن الأحياء والاستعداد لإيواء من نجوا، تبدأ كولومبيا في إدراك الحجم الحقيقي للكارثة

وتكتسب الساعات الحالية أهمية خاصة. فمع اقتراب عمليات الإنقاذ من حاجز 72 ساعة على وقوع الزلزال، تتراجع فرص العثور على أشخاص أحياء تحت الأنقاض بصورة حادة.

وفي كالي، قال رجل الإطفاء ماوريسيو أندرادي لوكالة رويترز إن فريقه تمكن من إخراج امرأتين وطفلين من مبنى منهار، وكان يستعد للوصول إلى أشخاص آخرين عندما تحدث إلى الوكالة.

قال أندرادي: "إنهم أحياء. نحن نفسح المجال حتى نتمكن من تحريرهم وإخراجهم".

وفي بيريرا، إحدى أكثر المدن تضررًا، كانت الصورة أكثر قسوة. فقد أعلنت السلطات المحلية في الساعات الأولى مقتل عشرات الأشخاص في المدينة وحدها، بينما ظل آخرون محاصرين تحت الركام.

حجم الدمار يتجاوز حصيلة القتلى

لا تقاس آثار الزلزال بعدد الضحايا وحده. فالتقديرات الأولية التي جمعها المجلس النرويجي للاجئين والجهات الكولومبية والأمم المتحدة تشير إلى تضرر ما لا يقل عن 1575 منزلًا وانهيار 61 مبنى بالكامل، فضلًا عن أضرار لحقت بمئات المنشآت العامة.

وتشير المعطيات المتاحة إلى تضرر أو تأثر أكثر من 550 مؤسسة تعليمية، إلى جانب عشرات المراكز الصحية. كما أصيبت شبكات الطرق بأضرار، واضطرت سبعة مطارات على الأقل إلى تعليق عملياتها في مرحلة من مراحل الأزمة.

وبعد عمليات فحص فنية، تمكنت خمسة مطارات في المناطق المتضررة من استئناف العمل كليًا أو جزئيًا، من بينها مطار كالي، بينما بقيت الحركة في مطاري بيريرا وكارتاغو مقيدة، مع السماح مؤقتًا بالرحلات الرسمية ورحلات الإغاثة.

وأصبح آلاف الأشخاص بلا منازل أو غير قادرين على العودة إليها بسبب الأضرار أو المخاوف المتعلقة بسلامة المباني. ويضع ذلك كولومبيا أمام أزمة تتجاوز مرحلة البحث والإنقاذ إلى تأمين المأوى والغذاء والمياه والخدمات الصحية للمتضررين.

ويحدد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أولويات الاستجابة في توفير مأوى مؤقت آمن، ومستلزمات الإيواء الطارئ، ومياه الشرب والغذاء، إلى جانب خدمات الصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي.

كما تضرر قطاع التعليم بصورة واسعة، وأُبلغ آلاف الأطفال بتعليق الدراسة مؤقتًا، ما دفع المنظمات الإنسانية إلى التشديد على ضرورة إنشاء مساحات آمنة للأطفال والمعلمين، ليس فقط لمواصلة العملية التعليمية، وإنما لتوفير الدعم النفسي بعد الصدمة.

مدن تغير شكلها خلال ثوان

خلف الأرقام تظهر قصص أشخاص تغيرت حياتهم خلال ثوان.

في رولدانيو، على بعد نحو 150 كيلومترًا شمال كالي، وقف الخباز هوغو غوميز أمام ما تبقى من عمله. وقال إن كل شيء تحول خلال ثوان إلى حطام: كان لديه متجر، ثم لم يعد لديه شيء. ووصف المدينة بأنها أشبه بمدينة أشباح، حيث توجد الأنقاض عند كل زاوية.

وفي بيريرا، روت إحدى السكان أنها كانت عائدة من حصة يوغا عندما بدأت المباني تهتز. وعندما وصلت إلى منزلها وجدت زجاجات النبيذ الأحمر محطمة، والسائل يغطي المكان بين شظايا الزجاج والتشققات في الجدران.

قالت إن المشهد "بدا كما لو أن حربًا وقعت هنا".

أما في كالي، فكان ساول باز مارتينيز، البالغ من العمر 69 عامًا، في غرفة الطعام مع زوجته وابنه وصديق للعائلة عندما بدأ الزلزال. وبعد نجاته، وقف أمام أنقاض منزله وقال: "أعتقد أنه لو استمر خمس ثوان أخرى، لما بقي شيء".

هذه المشاهد تفسر جانبًا من حجم الصدمة التي لا تستطيع أرقام الضحايا وحدها التعبير عنها: منازل لم تعد موجودة، أعمال صغيرة اختفت، مدارس أغلقت، وعائلات لا تعرف بعد إن كانت ستعود إلى بيوتها أم لا.

لماذا كان الزلزال مدمرًا رغم عمقه؟

وقع الزلزال على عمق يقدر بنحو 107 كيلومترات، وهو عمق كان يفترض نظريًا أن يخفف من شدة الاهتزازات على السطح. لكن عالمة الزلازل في جامعة نورث وسترن سوزان فان دير لي أشارت إلى أن اجتماع عدة عوامل قد يفسر حجم الدمار.

فإلى جانب قوة الزلزال البالغة 7.4 درجات، وقع مركزه داخل اليابسة، وكانت حركته من النوع الانزلاقي الجانبي، حيث تتحرك الكتل الصخرية أفقيًا بمحاذاة بعضها بعضًا على جانبي الصدع. وربما ساهم ذلك في تضخيم أثر الاهتزازات في الوديان والمناطق المأهولة.

وتقع كولومبيا أصلًا ضمن "حلقة النار" في المحيط الهادئ، وهي حزام زلزالي وبركاني يمتد لنحو 40 ألف كيلومتر حول المحيط الهادئ ويضم مناطق شديدة النشاط الزلزالي. وتسجل البلاد آلاف الهزات شهريًا، وإن كانت الغالبية العظمى منها طفيفة.

وبحلول مساء الإثنين، كانت هيئة المسح الجيولوجي الكولومبية قد سجلت 21 هزة ارتدادية، محذرة من احتمال استمرارها.

كارثة في بداية عهد سياسي جديد

جاء الزلزال بعد أيام قليلة فقط من أداء أبيلاردو دي لا إسبرييلا اليمين رئيسًا لكولومبيا، ليجد الرئيس الجديد نفسه أمام أول اختبار واسع لإدارته.

وأعلنت الحكومة حالة الكارثة الوطنية، فيما تنقل دي لا إسبرييلا بين عدد من المناطق المتضررة، من كيبدو في تشوكو إلى كالي، وتعهد بتعبئة إمكانات الدولة وتقديم دعم للإيجارات للأشخاص الذين فقدوا منازلهم.

وقال الرئيس إن المفقودين يمثلون أولوية حكومته، في وقت دفعت فيه مخاوف من أعمال نهب واضطرابات السلطات في كالي وأرمينيا ومانيزاليس إلى فرض حظر للتجول واتخاذ إجراءات أمنية إضافية.

وفي كالي، أعلن عن نشر ألف عنصر أمني إضافي، لكن دي لا إسبرييلا شدد في الوقت نفسه على أن الأولوية تظل لإنقاذ العالقين تحت الركام.

وهكذا تعمل السلطات في مسارين متوازيين: إنقاذ الأشخاص الذين قد يكونون ما زالوا أحياء تحت المباني، والحفاظ على الخدمات والنظام العام في مدن أصيبت بنيتها الأساسية بالشلل أو الضرر.

من الإنقاذ إلى الأزمة الإنسانية

مع مرور الوقت، تتحول طبيعة الأزمة. ففي الساعات الأولى كان السؤال الأساسي هو عدد الأشخاص الذين يمكن إخراجهم من تحت الأنقاض. أما الآن، فتظهر أسئلة أخرى: أين سيقيم من فقدوا منازلهم؟ وكيف ستصل المياه والغذاء إلى المناطق المتضررة؟ ومتى ستعود المستشفيات والمدارس والطرق إلى العمل؟

ويحذر المجلس النرويجي للاجئين من أن الزلزال جاء ليضاعف وضعًا إنسانيًا صعبًا أصلًا.

وقال مدير المجلس في كولومبيا جيوفاني ريزو إن البلاد تواجه حاجة عاجلة إلى المياه والغذاء والمأوى المؤقت والخدمات الصحية، مشيرًا إلى أن بعض موظفي المنظمة أنفسهم تضررت منازلهم ولا يعرفون بعد ما إذا كان بإمكانهم العودة إليها بأمان.

وبدأت عروض المساعدة الدولية بالوصول. فقد أعلنت دول عدة استعدادها للمساعدة، كما قدمت ألمانيا والاتحاد الأوروبي عروض دعم. وخصص الاتحاد الأوروبي في مرحلة أولى 100 ألف يورو لمنطقة تشوكو المتضررة، وفُعّلت خدمة "كوبرنيكوس" الأوروبية لمراقبة الأرض بهدف المساعدة في تقييم حجم الأضرار.

كما أعلنت وزارة الخارجية الأميركية إرسال فريق للاستجابة للأزمات لمساعدة الحكومة الكولومبية في التخطيط والتنسيق، بينما قالت حكومة السلفادور إن بوغوتا طلبت في المرحلة الأولى مساعدات إنسانية ومواد إغاثة، مؤكدة أن فرق الإنقاذ والأطباء الكولومبيين موجودون بالفعل في الميدان.

وبينما تصل المساعدات وتبدأ عملية تقدير الخسائر، لم تنته بعد المرحلة الأولى من الكارثة. فما تزال فرق الإنقاذ تحفر بين الخرسانة والحديد، وما تزال عائلات تنتظر أمام المباني المنهارة، فيما يقترب البحث من الساعات التي تصبح بعدها احتمالات العثور على ناجين أقل فأقل.

وفي هذه المسافة الضيقة بين البحث عن الأحياء والاستعداد لإيواء من نجوا، تبدأ كولومبيا في إدراك الحجم الحقيقي للكارثة، فيما لا تزال فرق الإنقاذ تبحث تحت الأنقاض عن أشخاص قد يكونون على قيد الحياة.

كلمات مفتاحية
قطع الأشجار في القاهرة

بعد سنوات من اقتلاع الأشجار.. لماذا تذكرت الحكومة "تخضير القاهرة" الآن؟

أثارت توجيهات السيسي بإطلاق مشروع تخضير القاهرة تساؤلات بشأن أسباب التحول المفاجئ في السياسة الحكومية

تفجير مركز التجارة العالمي

من البرجين إلى غرف الأخبار.. صحفيو "أسوشيتد برس" يتذكرون 11 أيلول

بعد خمسة وعشرين عامًا على هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001، عادت وكالة "أسوشيتد برس" إلى عدد من صحفييها ومصوريها الذين كانوا في مانهاتن السفلى في صباح الهجوم

واقعة القيلوبية

من توبيخ مديرة مدرسة إلى أزمة سلطة.. ماذا كشفت واقعة القليوبية؟

أثارت الواقعة التي جمعت محافظ القليوبية بمديرة إحدى المدارس بمدينة بنها، أثناء جولة المحافظ التفقدية لمتابعة استعدادات المدارس للعام الدراسي الجديد، حالة واسعة من الجدل

الليالي البيضاء.. من دوستويفسكي إلى BookTok
أدب

الليالي البيضاء لدوستويفسكي: كيف أعاد "تيك توك" الرواية إلى الواجهة؟

في ليلة هادئة من ليالي سان بطرسبورغ، كان رجل وحيد يمشي بلا وجهة، كأنه يبحث في شوارع المدينة عن شيء لا يعرف له اسمًا

فيلم "عطلة منتصف الشتاء"
أفلام

فيلم "عطلة منتصف الشتاء".. الماضي يسافر معنا

الفيلم جيد جدًا، بالنسبة لي على الأقل، لأنه لا يتحدث عن الحرب تقريبًا. لا يعيد سردها ولا يحولها إلى درس في السياسة أو التاريخ

صورة تعبيرية
مجتمع

إن كنت تريد تعزيز سعادتك وحماية دماغك.. لا تأكل بمفردك

قد لا يحتاج تحسين الصحة النفسية والرفاهية دائمًا إلى حمية غذائية جديدة أو ممارسة رياضية شاقة، فبعض الفوائد قد تبدأ من عادة يومية قديمة وبسيطة، هي تناول الطعام برفقة الآخرين

تلوث
علوم

الحرائق وموجات الحر تهددان جودة الهواء عالميًا.. تحذير أممي من أزمة صحية متفاقمة

حذرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية من أن الدخان الناتج عن الحرائق أصبح مصدرًا متزايدًا للتلوث، حتى في مناطق نجحت في خفض انبعاثات الصناعة والنقل