زراعة الحبوب بالمغرب.. تراجع الإنتاج وتكريس الارتهان للخارج
26 يونيو 2026
التهمت النيران، مع بداية موسم الحصاد في المغرب، مساحات شاسعة من حقول الحبوب في مناطق الشاوية ودكالة والرماني غربي المملكة، في مشهد أعاد إلى الواجهة نقاشًا حول واقع زراعة الحبوب بالمغرب ومستقبل الأمن الغذائي بالبلاد، خصوصًا في ظل سنوات متتالية من الجفاف وتراجع المساحات المزروعة، مقابل تنامي الاعتماد على الاستيراد لتغطية الحاجيات الوطنية.
ويرى متابعون أن ما تعيشه زراعة الحبوب اليوم لا يرتبط فقط بالظروف المناخية، بل أيضًا بخيارات استراتيجية راكمتها السياسات الفلاحية خلال العقود الأخيرة، والتي دفعت نحو التوسع في الزراعات ذات القيمة التصديرية على حساب المحاصيل الأساسية، ما جعل المغرب أكثر ارتباطًا بتقلبات الأسواق الدولية.
موسم واعد رغم الحرائق
يسجل الأكاديمي والخبير في الهندسة والعلوم الزراعية، كمال أبركاني، أن الموسم الفلاحي الحالي عرف انتعاشًا ملحوظًا بفضل التساقطات المطرية المهمة التي شهدتها المملكة، رغم تأخرها إلى حدود شهر نوفمبر.
وأوضح أبركاني لموقع "الترا صوت" أن المزارعين "تمكنوا من تدارك التأخر وزراعة الحبوب في وقت لاحق، فيما سجل مؤشر الغطاء النباتي تحسنًا واضحًا مقارنة بالسنوات السبع الماضية".
واعتبر المتحدث ذاته أن الحرائق المسجلة في عدد من مناطق المغرب "لا تعني بالضرورة تسجيل خسائر كبيرة على مستوى الإنتاج الوطني"، مبرزًا أن التوقعات الرسمية تراهن على محصول مهم من الحبوب خلال الموسم الجاري، وهو ما يفسر قرار "وقف الاستيراد مؤقتًا في انتظار عمليات الحصاد وتجميع المحاصيل".
يرى متابعون أن ما تعيشه زراعة الحبوب اليوم لا يرتبط فقط بالظروف المناخية، بل أيضًا بخيارات استراتيجية راكمتها السياسات الفلاحية خلال العقود الأخيرة
الجفاف وتراجع زراعة الحبوب
يرى المستشار والخبير الفلاحي، رياض أوحتيتا، أن تقلص المساحات المخصصة للحبوب خلال السنوات الأخيرة يبقى نتيجة طبيعية لتوالي سبع سنوات من الجفاف، وهو ما أثر بشكل مباشر على القدرة الإنتاجية للفلاحين سنة بعد أخرى.
وأبرز أوحتيتا في تصريح لموقع "الترا صوت" أن "البحث العلمي يمثل إحدى الركائز الأساسية لمعالجة هذا الوضع، إذ تمكن المغرب خلال السنوات الأخيرة من تطوير أصناف من الحبوب المقاومة للجفاف، ما تزال في طور التجارب المخبرية والميدانية".
وأوضح المصدر نفسه أن هذه الأصناف من الحبوب "تمتاز بقصر دورة الإنتاج وقدرتها المستقبلية على التكيف مع الظروف المناخية الصعبة، غير أن تعميمها يظل رهينًا بمواكبة الفلاحين وتأطيرهم وتحسيسهم بأهمية اعتمادها".
كما يلفت المستشار الفلاحي إلى أن "استمرار تراجع زراعة الحبوب لا يخدم مصلحة البلاد، باعتبارها مادة استراتيجية تعرف تقلبات مستمرة في الأسواق العالمية"، مضيفًا أنه "كلما ارتفع الإنتاج الوطني تقلصت الحاجة إلى استنزاف العملة الصعبة وتراجع مستوى الارتهان للأسواق الخارجية".
انتعاش موسمي لا يخفي الهشاشة
تشير التقديرات الرسمية للموسم الفلاحي 2025-2026 إلى بلوغ محصول الحبوب نحو 90 مليون قنطار، أي ما يعادل ضعف إنتاج الموسم الماضي تقريبًا، بفضل التساقطات المطرية التي شهدتها المملكة خلال الأشهر الأخيرة وخففت من آثار الجفاف.
غير أن هذه المؤشرات الإيجابية لا تحجب هشاشة البنية الغذائية للمملكة، حيث يكشف تقرير حديث لوزارة الزراعة الأميركية أن المغرب ما يزال ضمن كبار مستوردي الحبوب في العالم، نتيجة تزايد الاستهلاك المحلي واحتياجات قطاع الثروة الحيوانية، إلى جانب تأثير سنوات الجفاف المتعاقبة وخيارات فلاحية عمقت الاعتماد على الأسواق الخارجية لتأمين المواد الأساسية.
ويتوقع التقرير أن يستورد المغرب خلال الفترة 2025-2026 نحو 10.5 ملايين طن من القمح، إضافة إلى حوالي 700 ألف طن من الشعير الموجه أساسًا لتغذية القطيع، فيما تظل واردات الذرة عند مستويات مرتفعة لتلبية احتياجات قطاع الدواجن والإنتاج الحيواني.
وعلى هذا الأساس، تبدو الوفرة المرتقبة في محصول هذا الموسم أقرب إلى انتعاش ظرفي، لا يلغي الأسئلة المطروحة حول قدرة المغرب على تحقيق الأمن الغذائي وتقليص تبعيته للأسواق في مادة استراتيجية مثل الحبوب.
رهان التكنولوجيا وتعزيز الإنتاج المحلي
في قراءته لهذه المفارقة بين تحسن الإنتاج المحلي واستمرار الاعتماد على الواردات، يشدد الأكاديمي والخبير في الهندسة والعلوم الزراعية كمال أبركاني على أن النقاش لا ينبغي أن ينحصر في عامل الجفاف وحده، لأن الأمر يتعلق أيضًا بالخيارات الاستراتيجية التي تعتمدها الدول في تدبير أمنها الغذائي.
ويرى أبركاني في حديثه لموقع "الترا صوت" أن التحولات الجيوسياسية والاضطرابات التي تشهدها سلاسل الإمداد العالمية تفرض "وضع استراتيجيات للحفاظ على إنتاج الحبوب"، وتدعو إلى إعادة التفكير في مدى قدرة المغرب على الاستمرار في الاعتماد على استيراد الحبوب.
ويدعو الخبير في العلوم الزراعية إلى وضع خطة متكاملة للحفاظ على إنتاج الحبوب وتطويره، من خلال الاستفادة من الدروس التي أفرزتها سنوات الجفاف والتقلبات المناخية، وإعادة النظر في الأصناف الملائمة للبيئة المغربية، وتوقيتات الإنتاج ومجالاته الجغرافية.
ويؤكد كمال أبركاني أن تعزيز إنتاج الحبوب يقتضي "الاستثمار في التكنولوجيا الزراعية وتطوير البحث العلمي التطبيقي، من خلال نقل نتائج الدراسات من المختبرات إلى الحقول الزراعية، مع تقوية البنك الجيني الوطني للحبوب".