ريهام سعيد.. أو المرأة التي تكره نفسها

ريهام سعيد.. أو المرأة التي تكره نفسها

فتاة مصرية تقرأ جرافيتي عن مناهضة التحرش (Getty)

ريهام سعيد ما هي إلّا صدى للعقليّة البالية لبعض إناث مجتمعاتنا اللواتي يأتين على المرأة قبل الرجل، ويعتبرن أنّ أي اعتداء عليها أو المساس بها هو بسببها، هي، بالدرجة الأولى. ليست المرّة الأولى الّتي نحتاج فيها لتبرئة أنفسنا أمام الإناث قبل ذكور هذا المجتمع المثقل بعُقده وتابواته. 

معركة إناث العالم ليست محصورة بذكوره فقط، فهناك معركة أشد وأقسى مع بنات الجندر نفسه

معركة إناث العالم ليست محصورة بذكوره فقط، فهناك معركة أشد وأقسى مع بنات الجندر نفسه. وبالرغم من هذه الحقيقة المرّة، إلّا أنّ الكلمة/الضربة تظلّ توجع أكثر عندما تأتي من امرأة بحق امرأة مثلها. امرأة لديها سلطة الإخبار ولديها أحقيّة الدخول على البيوت من خلال تلك الشّاشة اللعينة. فما قامت به هذه الإعلامية، المذكورة أعلاه، أقل ما يقال عنه بأنه عمل لا أخلاقي ولا إنساني. 

ولاختصار ما حدث، فقد قامت بالتشهير بفتاة جامعية بنشر صور خاصة لها، كدليل قاطع على "لا أخلاقية" هذه الفتاة، على حدّ تعبيرها. ولمَ هذه الفتاة بالذّات؟ هذه الفتاة والّتي تدعى سميّة، كانت تعرّضت في السابق للتحرش بإحدى المراكز التجارية في مصر. وما لبث أن تطور التحرش إلى اعتداء بالضرب على الفتاة. فما كان منها إلّا أن تقدّمت بشكوى إلى الشّرطة. وعلى الأثر، استحصلت لها الشرطة على الفيديو، كون كاميرات المول كانت قد رصدت الحادثة.

ما أرادته الفتاة أن تعرض الشريط على الرأي العام للإخبار عن الرجل المعتدي عليها بالضرب، إعلاميًا، بما أنّه "لم يأخذ أحد حقها"، على حد تعبيرها، من أي جهة أخرى. وقد استخدمت ريهام سعيد فيديو الاعتداء لا لتنصف الفتاة، ولا لتطالب بمحاكمة المعتدي، ولا للتذكير بأهمية الإخبار عن كل تحرش (وخاصّة أن معدّلات فعل التحرش بمصر أمر مخيف). لا من أجل أي من هذه الأمور. عرضت المذيعة "العظيمة" الفيديو، فقط لتجريم الفتاة وبتحميلها ذنب التحرّش بها، لأنّها كانت تلبس لبسا "فاضحًا" على حد قول المذيعة "النيّرة". وللإمعان بتشويه بسمعة الفتاة نشرت لها صورًا "خاصّة جدًا" وقررت "فضحها" أمام الرأي العام. 

إلّا أن الرأي العام ثار على المذيعة المتذاكية. انقلب السحر على الساحر، إذ أثار الفيديو حنق وسخط الشعب المصري بكافة أطيافه من مشاهدين إلى إعلاميين، إلى حقوقيين، حتى المعلنين سحبوا الإعلانات من البرنامج الذي تقدمه المذيعة وتمّ تجميد برنامجها في القناة. وعلى الأثر، استقالت أو لربّما أقيلت.

بالرغم من جمالية موقف الرأي العام الّذي أجمع على حقارة تصرف المذيعة، ولم يبرر ولو بأي شكل ما فعلته بتلك الشّابة على الهواء مباشرة أمام الآلاف الّذين من بينهم إخوة وأخوات وأقارب وأصدقاء. الدعم الشعبي كان مفرحًا بحق. إلّا أنّه ما ينغص حلاوة الموقف كون هذه المذيعة ما هي إلا عينة صغيرة عمّا يختلج رؤوس الكثيرين بقضايا التحرش والعنف ضد المرأة عمومًا. هي ليست المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة طبعًا الّتي يحمّل فيها المجتمع المرأة/الضحية، مسؤوليّة التحرشات والاعتداءات الجنسية والعنف ضد المرأة بشكل عام.

ثار الرأي العام المصري على ريهام سعيد، وتحول الجمهور من مشاهدين إلى إعلاميين وحقوقيين

في لبنان مثلًا، تجد العيّنة نفسها بالرغم من عدم انتشار التحرّش مقارنة بالمعدّلات التي يحكى عنها في مصر، إلّا أنّه ومع تزايد نسبة المجاهرة بحوادث العنف ضد المرأة وبالرغم من جهود الحركات النسوية والجمعيات لنشر التوعية وحماية المرأة من العنف الأسري بكافة أشكاله. وبالرغم من إقرار قانون تجريم العنف ضد النساء، ما زالت ردّة الفعل الأولية للبعض وخصوصًا النساء منهم، لدى سماع حادثة عنف زوجي هي "شو عملت لضربها" وإذا ما كان الخبر تحرّش أو اغتصاب "شوكانت لابسة تا تحرّشو فيها". "ماذا كانت تفعل في هذا الوقت المتأخّر من الليل". ينسى العالم ومن بينهم نساء، ينسى الجريمة والضحية وينشغلون بتفاصيل بالية لتبرير الجريمة الّتي في الأساس بالنسبة للبعض ليست بجريمة أصلًا.

محزنٌ جدًا أن تلتقي ببعض النسوة وقد غطّت الكدمات وجوههنّ، وما إن تلمح في عينيك سؤال عن السبب، تبادر وتقول "كان معصب" و"حرام ما في شغل بدو يفش خلقو"، نعم للأسف أن الضحايا أنفسهن، في الكثير من الأحيان، يبرّرون جلد جلّاديهم. عدا عن الأقارب والجيران خاصة النساء منهن: "هي المخطئة، استفزته" "هي المخطئة لا تنفّذ ما يطلبه". يبررون ويختلقون الأعذار لجرائم ترتكب بحقهم وحق النّسوة عمومًا فقط لا غير. حتى أنّ إحدى الفنانات اللبنانيات، المشهورات جدًّا والّتي لها رصيد فني رائج، قالتها علانية مؤخّرًا: "أكلت كف، بس كنت بستاهلو بوقتا". تخيّلوا أن تستأهل امرأة، فنانة ومشهورة، تستأهل ضربها من قبل زوجها. ولم تستح من قولها علانية، لم تستحِ من إبداء رجعيّتها وجهلها.

نعم ليس هناك من مبرّر آخر غير الجهل. إنّه الجهل، جهل المرأة بقيمتها ومكانتها وحقوقها على هذه الأرض. وبأنّه مهما كانت الأسباب ومهما كان الموقف، لا يحق لمخلوق استباحتها لا لفظيًا ولا جسديًّا ولا معنويًّا. لكن لربّما هذا حلم بعيد، حلم بحاجة عقود من الزّمن حتّى نغسل هذه العقول من الموبقات الموروثة والعقليات المهترئة الّتي لا ترى في المرأة إلاّ أنها "عورة" و"فشّة خلق".

اقرأ/ي أيضًا:

"السكس" عرض وطلب أيضًا

نون النّسوة في المقاومة الفلسطينية