رينيه ماران.. أولى الصرخات الأفريقية في وجه الاستعمار

رينيه ماران.. أولى الصرخات الأفريقية في وجه الاستعمار

رينيه ماران (1887 - 1960)

أذهلت أكاديمية غونكور المشهد الأدبي الفرنسي عندما منحت جائزتها السنوية لكاتب أسود البشرة قادم من المستعمرات الفرنسية في أمريكا الجنوبية وجزر الكاريبي، يعمل في أفريقيا ويعيش في فرنسا. جرى ذلك عام 1921 وقد منحت تلك الجائزة الأدبية وقتها لرواية باتوالا، لكاتب وشاعر من المارتينيك يدعى رينيه ماران (1887-1960)، وهي أول عمل أدبي يسلط الضوء وللمرة الأولى على موضوعة الزنوجة ويمنح للشخصية الزنجية دورًا هامًا في الرواية الفرانكوفونية ويدين من خلالها ممارسات الاستعمار في أفريقيا.

تعتبر رواية "باتوالا" مانفيستو حول قسوة العيش في ظل المُستعمر، كما أنها واحدة من الأعمال الأدبية التي صنعت بصمة مفارقة في سياق الكتابات الكولونيالية

هذا أمرٌ يمكن اعتباره، في فترة مثل بداية عشرينيات القرن الماضي، على قدر كبير من الخطورة والأهمية، ومن شأنه تغيير سياق تاريخي اجتماعي سياسي لواحدة من أهم المظلوميات التاريخية في العالم وأكثرها إشكاليّة. ولكن ما حكاية هذا الاسم غير المشهور في الدوائر الأدبية العالمية؟

اقرأ/ي أيضًا: الأدب الأفريقي ومسألة اللغة

ولد الصحفي والروائي رينيه ماران بهويةٍ ثنائية وعاش حياته في أمكنة مختلفة طُبعت في وعيه وأثرت في حسه الروائي والنقديّ، فقد جاء إلى العالم على متن قارب كان يقل والديه من مُستعمَرة فرنسية إلى أخرى، من غويانا إلى المارتينيك في عام 1887، ليعيش هناك في عاصمة الجزيرة، حتى بلوغه العام السابع، ومن ثم يقرّر والده نقله وحيدًا إلى فرنسا ليعيش في مدينة بوردو حتى نهاية فترة تعليمه الجامعي، عام 1910 ليتركها بعد إنهاء دراسته للقانون، ويذهب لشغل منصب إداريّ في إحدى المستعمرات الفرنسية في غرب أفريقيا، ولكنه يُقدم على الاستقالة من منصبه بعد كتابته لرواية باتوالا 1920، وكل الجدل الذي تبع الرواية والجائزة التي حصلت عليها. صدرت ترجمة عربية للرواية عن الهيئة العامة السورية للكتاب عام 2017، وبتوقيع المترجم  سنان سليمان موسى.

لا شك أن تجربة العمل الإداريّ في المستعمرات ألهمت الكاتب رينيه ماران للغوص في أعماق الشخصية الأفريقية التي تعيش تحت حكم المستعمر، وتقديم وجهة نظر عن تجربة العيش في تلك المستعمرات، وإظهار الملامح المميزة للشخصية الزنجية، والتأكيد على إنسانية البشريّ مهما كان لونه، رافضًا التمييز والقسوة والممارسات العنصرية التي لم يكن لها حدود في تلك الفترة.

تعتبر هذه الرواية مانفيستو حول قسوة العيش في ظل المُستعمر، كما أنها واحدة من الأعمال الأدبية التي صنعت بصمة مفارقة في سياق الكتابات الكولونيالية، أراد من خلالها رينيه ماران أن يُظهر أفريقيا كما رأتها عيناه، أفريقيا في زمن الأوروبيين، كما أشار لاحقًا.

تروي رواية باتوالا حكاية زعيم قبيلة عظيم الشأن في جمهورية إفريقيا الوسطى، يساوره القلق حول أمر تجنيد الرجال من البشرة السوداء في الجيش الفرنسي، لزجهم في صراع عبثي بين الأوروبيين أنفسهم، ولاحقًا يجد باتوالا نفسه أمام معادلات شخصيّة وعامة لا يملك عليها أيّ سلطة.

أثارت تلك الرواية فضيحة إثر صدورها عام 1921 بدايةً لأنها كشفت عن ممارسات عنصريّة مهينة دفعت فرنسا للوقوف أمام نفسها ومحاكمة مهمتها "الحضاريّة" التي كانت تدعيها، وفي ذلك تتقاطع رواية باتوالا مع رواية الكاتب الإنجليزي جوزيف كونراد "قلب الظلام" (1902) التي يروي فيها جرائم الاستعمار البلجيكي في الكونغو، كما أن هناك تقاطعات بين الروايتين من حيث اهتمام الكاتبين بأثر الطبيعة وعلاقة الإنسان الأفريقي معها، كذلك تلعب تفاصيل المكان وخصوصيته دورًا هامًا في تقديم صورة عن المكان، كالأنهار الكبيرة التي تشكل عصب الحياة، والحيوانات المفترسة التي يؤثر وجودها على الإنسان وتفرض نمط علاقة قوة وسيطرة عليه ومعه. تلك الصورة التي تقدمها رواية باتوالا عن الطبيعة والجغرافيا المميّزة للمكان، تُظهر أثر البيئة المحيطة على شخصية الأفريقي، وتكشف عن علاقته مع تلك الطبيعة التي يستمد منها مميزاته وصفاته، وهذا ما يدفع النقاد للحديث عن خصوصية الكتابة عند رينيه ماران وأهمية توظيف البيئة والمحيط في الكشف عن ملامح الشخصية الزنجية التي تعيش من جهة وسط بيئة مليئة بالمخاطر، ومن جهة أخرى تعاني من هيمنة المستعمر. تلك الأدغال التي يكشف عنها ماران في باتوالا وعبر السرد الحكائي، تضعنا أمام شكل الحياة وطقوس العيش وتقاليده، كما أنه يقف عند الممارسات التمييزيّة بحق المرأة من خلال تفاصيل قصة زوجة باتوالا، وتفاصيل أخرى حول طقوس الختان السريّة.

استمر رينيه ماران في عمله في الصحافة الأدبية في باريس، بعد أن أنهى عمله الإداريّ في أفريقيا، ليبقى فيها خلال فترة الاحتلال الألماني لفرنسا، دون أن يكون عابئًا بثقل ذلك الاحتلال وسط أجواء الخوف والقلق التي عاشها مواطنوه وأبناء مهنته، ممن اضطروا لأسباب مختلفة إلى ترك فرنسا متوجهين إلى أمريكا الشمالية أو الجنوبية خلال تلك الفترة.

تروي رواية باتوالا حكاية زعيم قبيلة عظيم الشأن في جمهورية إفريقيا الوسطى، يساوره القلق حول أمر تجنيد الرجال من البشرة السوداء في الجيش الفرنسي

بقيت أعمال رينيه ماران في الأدب والصحافة متأثرة بشكلٍ كبير بتلك الفترة التي قضاها في أفريقيا، فراح يظهر نمط العلاقات بين الرجل الأبيض والأسود في أعماله اللاحقة، ويؤكد على صعوبة العيش وسط الأجواء العنصرية التي تفرضها سلطة المستعمر على أهل المكان.

اقرأ/ي أيضًا: البحث عن أفريقيا

ألهمت أعمال رينيه ماران العديد من الكتاب مثل أندريه جيد في كتابه رحلة إلى الكونغو 1927، واعتبر لاحقًا مرجعية من قبل العديد من الكتاب والمؤلفين والمناهضين لسياسات الاستعمار، من أمثال إيميه سيزير، ليوبولد سيدار سنغور، كما أن ماران كان الملهم الأول لعملهم على صياغة وتحديد مصطلح الزنوجة la négritude الذي بدأ يأخذ شكلًا سياسيًا واجتماعيًّا وثقافيًّا في أعمال لاحقة، باعتباره مصطلح مؤثر في تاريخ نضال أهل المستعمرات ضد المستعمر، عبر التركيز على خصائص ومميزات الشخصية الزنجية، وظهر ذلك في أعمال الكاتب المارتينيكي إيميه سيزير في الصحافة والشعر، إلاّ أن اسم رينيه ماران قليلًا ما يظهر عند الحديث عن الزنوجة كحركة ثقافيّة اجتماعيّة سياسية، على العكس من الكتاب والمفكريّن والسياسين، وهذا ما يضعنا أمام أسئلة تاريخيّة ربما يجيبنا عليها الغموض في أعمال رينيه ماران نفسه، ولكن ما يُشاع عن نسيان اسمه، هو أمر التحفظات الكثيرة التي كانت له اتجاه ذلك المصطلح والتي لم يخفها، بعيدًا عن ذلك لا يمكن إهمال الأثر الذي تركه رينيه ماران على مفهوم الزنوجة، كذلك أثر معاصريه وخلفائه من الكتاب والسياسيين القادمين من المستعمرات.

 

اقرأ/ي أيضًا:

كاريكاتير من زمن الاستعمار

تيسير خلف في "عصافير داروين".. رحلة عربية إلى الهزيمة