ريف اللاذقية إلى واجهة التصعيد.. هل تحافظ المعارضة على مواقعها الإستراتيجية؟

ريف اللاذقية إلى واجهة التصعيد.. هل تحافظ المعارضة على مواقعها الإستراتيجية؟

وسع النظام السوري من عملياته للسيطرة على شمال غرب سوريا (Getty)

الترا صوت – فريق التحرير

وسّع النظام السوري مدعومًا بسلاح الجو الروسي نطاق عملياته العسكرية التي بدأها قبل شهر تقريبًا في شمال غرب سوريا، وشن هجومًا عنيفًا على جبهة ريف اللاذقية الشمالي لتشتيت قوات المعارضة التي تتصدى لمحاولات قضم مساحات جديدة من مواقعها في أرياف إدلب وحماة، وسط محاولات روسية لتحصين قواعدها المنتشرة في أجزاء مختلفة في الساحل السوري.

يشكل ريف اللاذقية الشمالي أهمية استراتيجية للنظام السوري والقوات الروسية، بسبب ارتباط المنطقة بمعاقل رئيس النظام السوري بشار الأسد في الساحل السوري، وانتشار القواعد العسكرية الروسية كذلك في المنطقة

ماذا يحصل في ريف اللاذقية الشمالي؟

بدأ النظام السوري مدعومًا بالميليشيات المحلية في الساحل السوري والفيلق الخامس الموالي لروسيا هجومًا عسكريًا في ريف اللاذقية الشمالي في محاولة للسيطرة على بلدة الكبانة الإستراتيجية، تمكنت فصائل المعارضة المسلحة من التصدي للهجوم، وسط تقهقر شهدته قوات النظام في أرياف حماة وإدلب بعدما قلبت فصائل المعارضة موازين القوى لصالحها باستعادتها السيطرة على المواقع التي فقدتها مؤخرًا.

اقرأ/ي أيضًا: الجنوب السوري.. حصار واعتقالات وصراع خفي بين حلفاء الأسد

ونقلت وكالة رويترز قبل نحو أسبوع عن مسؤول في هيئة أحرار الشام (هتش) أن النظام السوري قصف بغاز الكلور السام مواقع لفصائل المعارضة في ريف اللاذقية خلال محاولة تقدمهم للسيطرة على المرتفعات الجبلية لبلدة الكبانة، فيما نفى النظام السوري أن يكون استخدم خلال الهجوم غاز الكلور السام.

وذكرت الخارجية الأمريكية الخميس الفائت أن واشنطن تلقت تقارير تشير لاستخدام النظام السوري مواد كيمائية في هجوم نفذه على معاقل المعارضة في شمال غرب سوريا، وكان نشطاء قد أكدوا في وقت سابق قصف النظام السوري لبلدة الكبانة بغاز الكلور السام.

وتضاربت الأنباء حول الخسائر التي مني بها النظام السوري في هجومه الأخير على آخر معاقل المعارضة السورية، فقد قالت وكالة إباء الذراع الإعلامي لهتش إنه قتل وجرح للنظام السوري 150 عنصرًا خلال استعادة المعارضة السورية لبلدة كفرنبودة بريف حماة، بينما قال جيش العزة إن النظام فقد 100 عنصر خلال المعارك الأخيرة، فضلًا عن أسر ضباط ومجموعة من العناصر.

وكانت المعارضة السورية قد رفضت قبل أيام هدنة روسية تنص على وقف فوري وشامل للقصف الجوي والمدفعي في شمال غرب سوريا، بعدما اشترطت انسحاب النظام من كافة المناطق التي سيطر عليها في عملياته العسكرية الأخيرة، ورجح مراقبون أن سبب رفض المعارضة للهدنة الروسية يرجع لخشيتهم من تنفيذ عمليات عسكرية محتملة تستهدف المنطقة مستقبلًا.

ما هي المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في شمال غرب سوريا؟

لم تسجل خارطة توزع القوى العسكرية في سوريا منذ آب/أغسطس 2018 حتى نيسان/أبريل الماضي أي تبديل على صعيد سيطرة المعارضة السورية التي بقيت نسبتها محصورة بـ10.3 بالمئة، فيما وسع النظام السوري نفوذه بنسبة 60.3 بالمئة بعد أن كانت تبلغ 52.8 بالمئة في عام 2017.

ووفقًا للخارطة العسكرية السورية فإن المعارضة تسيطر على مجموعة من القرى والبلدات في ريف اللاذقية الشمالي التي تشكل سلسلة تربط بين أرياف إدلب وحماة وصولًا لمحافظة إدلب التي تتصل مع مناطق سيطرة المعارضة في مناطق درع الفرات وغصن الزيتون، ويفصل عنها وعن قوات النظام والميليشيات الأجنبية المدعومة من إيران نقاط مراقبة تركية–روسية جرى الاتفاق على نشرها في أيلول/سبتمبر الماضي.

وينتشر في شمال غرب سوريا تشكيلات عسكرية متحالفة ضمن الجبهة الوطنية للتحرير، بالإضافة للجيش الوطني السوري اللذين يتلقيان دعمًا من القوات التركية في مناطق درع الفرات وغصن الزيتون، فيما تشهد أرياف اللاذقية وحماة وإدلب مع المدينة انتشارًا كبيرًا لهتش التي تعتبر القوة الأبرز في تلك المناطق ليس فقط عسكريًا، بل مدنيًا أيضًا عبر سيطرة حكومة الإنقاذ المدعومة من قبلها على مفاصل القرارات الخدمية والمدنية.

 الأهمية الإستراتيجية لريف اللاذقية

يشكل ريف اللاذقية الشمالي أهمية استراتيجية للنظام السوري والقوات الروسية، بسبب ارتباط المنطقة بمعاقل رئيس النظام السوري بشار الأسد في الساحل السوري، وانتشار القواعد العسكرية الروسية كذلك في المنطقة، فقد أشارت دراسات بحثية إلى امتلاك موسكو ثماني قواعد بحرية وجوية وبرية في الساحل السوري، فضلًا عما يزيد على 20 نقطة عسكرية كانت في الأصل ألوية وكتائب تابعة للدفاع الجوي وخفر السواحل لقوات النظام، سيطر عليها الروس بالكامل مع الإبقاء على العنصر السوري بوصفهم كتائب خدمة وحراسة بينما العاملون فيها جميعهم من الروس ضباطًا وأفرادًا.

وتعد بلدة الكبانة من أهم المواقع التي يحاول النظام السوري استعادة السيطرة عليها من قوات المعارضة السورية، إذ تخضع المنطقة بحسب القيادي في المعارضة السورية المسلحة مصطفى سيجري لسيطرة أبنائها وأبناء جبل الأكراد بشكل عام بعيدًا عن الانتماءات الفصائلية، وتكمن أهمية المنطقة الاستراتيجية بسبب وجود تلال مرتفعة تشرف على منطقتي سهل الروج في إدلب وسهل الغاب في ريف حماة.

وتضع سيطرة المعارضة السورية على بلدة الكبانة القواعد العسكرية الروسية تحت نيران المعارضة السورية، وتأتي أهميتها للجانب الروسي كون السيطرة عليها يبعد مدفعية المعارضة عن قاعدة حميميم الجوية، ومن ثم الإشراف على منطقة سهل الروج بريف حماة التي تسيطر عليها المعارضة، وقالت موسكو يوم الأربعاء الفائت إن المعارضة قصفت قاعدة حميميم بـ17 قذيفة صاروخية، فيما قال النظام السوري إنه أسقط طائرة مسيرة محملة بالمتفجرات قرب مطار حماة العسكري.

وتقع بلدة الكبانة على سفوح جبل الأكراد في ريف اللاذقية الشمالي، وتعتبر من أهم النقاط العسكرية المتبقية تحت سيطرة فصائل المعارضة، بعدما تمكن النظام السوري خلال السنوات الماضية من استعادة معظم أجزاء جبلي الأكراد والتركمان في المنطقة، ما دفع المعارضة لتحصينها دفاعيًا بشكل جيد تحسبًا لأي هجوم قد ينفذه النظام السوري، كون خسارتها تعني فقدان المعارضة السورية لآخر مكاسبها العسكرية في المنطقة.

وكان السيجري قد نوه في حديث لصحيفة العربي الجديد إلى أن سيطرة النظام على بلدة الكبانة تعني إغلاقه لملف الساحل السوري بشكل شبه كامل، فهي تعد مفتاح المنطقة، لأنها أعلى قمة مطلة على جسر الشغور وسهل الغاب وبداما والناجية والشغر والجانودية وغيرها من المناطق، وصولاً إلى جبل الزاوية في محافظة إدلب، وسيطرة قوات النظام عليها تعني رصد المنطقة ناريًا.

هل توقف واشنطن تصعيد روسيا والنظام في الشمال السوري؟

ويبرز تحول مهم في التصعيد الأخير الذي يشهده شمال غربي سوريا، ليس من ناحية الدول الضامنة لاتفاق أستانا التي تعيش انقسامًا حول التفاهمات المرتبطة بالمنطقة، إنما ياتي من الجانب الأمريكي الذي بدأ فيما يبدو يتجه لإعادة تقييم الأزمة السورية بناءً على دعوات الكونغرس الأمريكي إدارة الرئيس دونالد ترامب لوضع استراتيجة حول الأزمة السورية.

وكان 400 من أصل 535 عضوًا من مجلسي الشيوخ والكونغرس الأمريكي قد وقعوا يوم الثلاثاء الفائت خطابًا لترامب، دعوا من خلاله لاستمرار دور واشنطن في سوريا، وعبروا عن قلقهم من الجماعات المتطرفة في البلاد، وذلك قبل أيام من تحذير واشنطن بأنها سترد "على نحو سريع ومناسب" في حال ثبت استخدام النظام السوري لمواد كيميائية في هجوم نفذه ضد معاقل المعارضة في شمال غرب سوريا.

وجاءت تهديدات واشنطن الأخيرة بالتزامن مع إعلان الأمم المتحدة نزوح أكثر من 200 ألف مدني منذ نيسان/أبريل في شمال غرب سوريا نتيجة تصاعد القوة العسكرية للنظام السوري مصحوبًا بسلاح الجو الروسي، بينما ذكر اتحاد منظمات الإغاثة والرعاية الطبية أن عدد النازحين هذا الشهر ارتفع لأكثر من 300 ألف مدني، وخلفت هجمات النظام في المنطقة مقتل ما لا يقل عن 200 مدني منذ نيسان/أبريل الماضي.

هل يستطيع النظام وروسيا استعادة ريف اللاذقية الشمالي؟

أعادت فصائل المعارضة السورية بتحالفها مع هتش على جبهات شمال غرب سوريا الأوضاع فيما يمكن القول لما قبل التصعيد العسكري الأخير الذي بدأه النظام السوري قبل شهر تقريبًا، بعدما تمكنت من السيطرة على المناطق التي فقدتها خلال الأسبوع الماضي، ما يشير لإمكانية اشتعال الجبهات مجددًا نتيجة الإصرار الروسي للسيطرة على أرياف حماة واللاذقية.

واعتبر خبراء اقتصاديون أن محاولات النظام السوري السيطرة على المنطقة تجعله يشرف على طريقي M5 وM4 الإستراتيجيين من إدلب إلى حماة واللاذقية على ساحل البحر المتوسط، وهما اثنان من أهم الشرايين الاقتصادية في سوريا، وأشار الخبراء إلى أن فتح الطرق التجارية وطرق السفر عبر محافظة إدلب سيؤكد من جديد سيطرة النظام السوري على طرق شرايين الاقتصاد السوري.

لكن قياديين في المعارضة السورية بعد استعادتهم لزمام المبادرة في شمال غرب سوريا، توقعوا أن تحافظ المعارضة السورية على مواقعها في المنطقة، وإجبار النظام وروسيا على إعادة حساباتهما العسكرية والسياسية، مشددين على أن المعركة أخذت منحى "كسر عظم وكسر إرادات بين الجانبين ومن خلفهما روسيا وتركيا، إذ تبدو كل دولة مصممة على عدم السماح للأخرى بتمرير أجندتها على حسابها".

واستطاعت أنقرة بحسب المعارضة السورية من إرسال رسالة للجانب الروسي تؤكد فيها على أن محافظة إدلب تختلف عن المناطق السابقة التي استولت عليها قوات النظام وروسيا، حيث ترى أنقرة أن سيطرة النظام السوري على مناطق ريف اللاذقية أو أرياف حماة وإدلب يعني فقدان المعارضة السورية للسلسلة الممتدة على الحدود التركية السورية،ما يجعل المنطقة مفتوحة أمام دخول النظام السوري إلى جسر الشغور وصولًا إلى إدلب بعد ذلك.

ومن هذا المنطلق يمكن القول إن أنقرة متمسكة بالدفاع عن محافظة إدلب للحفاظ على مصالحها القومية، واستمرارية لعب دورها كلاعب رئيسي في الملف السوري عبر تقديم كافة أشكال الدعم السياسي والعسكري للمعارضة السورية، فضلًا عن أن مسار الحل السياسي المتاح حاليًا مرهون بقدرة الفصائل المقاتلة على إفشال الحملة العسكرية الروسية في الشمال السوري.

اقرأ/ي أيضًا: ميناء اللاذقية عنوان مرحلة جديدة للإمبريالية الإيرانية

إلا أن صحيفة الأخبار اللبنانية المقربة من حزب الله اللبناني اعتبرت أن المشهد العسكري الحالي بعيد عن التهدئة التي سادت منطقة خفض التصعيد خلال الأشهر الفائتة، مشيرًة إلى أن الاتصالات المكثفة بين أنقرة وموسكو لا تبدو أنها قد تمكّنت حتى الآن من الخروج بتفاهم يتيح تنفيذ مذكرة التفاهم الخاصة بإدلب بين الطرفين، بالأخص أن أنقرة بدأت تظهر بعض أوراق الضغط الميداني القابل للاستثمار على طاولة التفاوض.

ذكرت الخارجية الأمريكية الخميس الفائت أن واشنطن تلقت تقارير تشير لاستخدام النظام السوري موادًا كيمائية في هجوم نفذه على معاقل المعارضة في شمال غرب سوريا

وكانت تقارير محلية قد توقعت مجموعة من السيناريوهات التي يمكن أن تنتج عن التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة بشكل عام، يأتي في مقدمتها توصل الجانبين الروسي والتركي لاتفاق وقف إطلاق النار شرط احتفاظ النظام بالبلدات التي سيطر عليها، أو الاستمرار في المعارك للسيطرة على كامل ريف حماة الشمالي، أو عدم الاكتفاء بأرياف حماة واللاذقية، والانتقال إلى محافظة إدلب. أما السيناريو الأخير فهو وصول النظام السوري إلى منتصف محافظة إدلب للسيطرة على مدينة سراقب التي يمر منها الطريقان الدوليان حلب–حماة وحلب–اللاذقية، رغم توقعات تشير إلى أن الاحتمال الأخير بعيد جدًا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

ما هي فرص استمرار التحالف الروسي الإيراني بعد انتهاء الحرب السورية؟

كيف ساعدت واشنطن النظام الإيراني على التحكم بالإنترنت؟