ريبر يوسف.. حكمة الولد وطيش العجوز

ريبر يوسف.. حكمة الولد وطيش العجوز

من إصدارات المؤسسة العربية للدراسات

بابان، أحدهما نافذة تشهدُ يدَ القصف اللارحيمة، ثمة درايةٌ تتعامل مع النافذة بوصفها بابًا في حين التقسيم الموضوعي للمساحة المشتغل فيها، يحيلُ إلى بابين محملين بما يقتضي الأمر من شحنة عاطفية ومعرفية وبالتالي بينهما اللغة وكذلك الموسيقى، إذا رأى الرائي مسعىَ المشتغل هنا إلى لعبة واضحة تجمّل المشهدَ، ليكونَ أكثر بصرية ووضوحًا، سلمُ الموسيقى حاضر من الدو إلى الدو، واللغة حاضرة من العلم بها إلى مخاتلتها، والفكرة التي ينفر من حضورها الشعر بصراحتها فيواربها لتحضر حاضرة بما يوحي أنها تتبدىّ خلف ستارة شفيفة من المعنى والقلق والوجودية والأسئلة النائسة بين المشروعة واللامشروعة، وهو ما سيجعل الكتاب فيما لو كان مشروعًا يروم الجدة والاختلاف أن ينوس بين احتمالية النجاح الأقرب أو الفشل الأقرب وذلك بوضع التجربة المستمرة في علاقتها ومعايرتها مع المنجز الفالتِ إلى العلن هذه الأيام مستسهلًا الموضوع/ الحدث، الحرب وما يحيط بها وما تنطلق منه وإليه.

الفكرة التي ينفر من حضورها الشعر يواربها لتتبدى خلف ستارة شفيفة من المعنى والقلق 

أمام بابين يتمرأى العنوان كعتبة أو بينهما، ذلك أن الدرس النقدي سيجد أن القسمة البصرية هنا تمت بعبث، أو في غياب ما يسند العنوان الذي هو العتبة، وما البابان إلا متنًا هلاميًا في فراق العنوان لما انطوى الكتابُ عليه، الصادر حديثًا عن "المؤسسة العربية للدراسات والنشر"، غير أنَّ توزيعًا موفقَا للعلاماتِ الشعورية وفقَ نصوص قصيرة ورشيقة مدروسة بعناية بتحمُلها الحكمةَ أولًا ومن ثمَّ ذكاءً وخُبثًا في ترك مساحةٍ أوليةٍ للفطري وغير المفكَّر بها بينما ذهبَت اللعبة أكثر إلى التشكيل والاشتغال كجوهر، كذلكَ جلب روح الغائب من الحدث والأشخاص والأمكنة البعيدة إلى المكان الجديد لصانع الألعاب هنا، ألبسَ النص الذي مكانه (هناك) العلاقة مع الآخر الذي هنا من حيث وجود الدلالة واستعمالها بوصفها الحداثي/ الغربي كمنجز تمت قراءته أو عن طريق اليومي: "قبلَ عام تقريبًا، انثقبَ غشاءُ الطبل في أذني آنَها، الصوتُ المجهولُ في عقلي استدرجَني صوبَ الركنِ الذي لايمسُهُ من يملكُ العافية الدائمةَ".

"من غصن إلى آخر يتنقَل القصف" تأتي العنونة هكذا لتبدأ بحرف جر كجملة اسمية بهدوء تام، بتناسٍ واضح للبحثِ عن عناوين صادمة، غير أن العنونة هنا تأتي محققة للمتن لتلك الرتابة والميول إلى تثوير اللغة من جوانيتها على حساب الإيقاع أو المغالاة في إظهار المهارات واللعب باللغة وهو ما جعلَ الفكرة ليست مخبوءة ولكنها في نفس الوقت حمَالة أوجه" تحتَ أشجارٍ متداخلةٍ/ العاشقان يشهران بصورةٍ خاطفةٍ في وجه الضوء/ من غصنٍ إلى آخر يتنقلُ القصفَ/ كلامٌ لايُنسى، يُسمعهُ رجلٌ لابنته في الجوار/ عيني التي في مرمىَ الريبة".

يشطرُ العنوان بوصفهِ عتبة دالةٍ ودرامية يحتملُ قراءة واحدة وربما قراءات الكتاب إلىَ بابين: 1- الأول "في القفلِ يديرُ القصفُ أنفاسَهُ"، 2- الثاني "على النافذة، القصفُ يمررُ يدهُ"، في الأول يحضرُ القصف ولا يتغيّب أبدًا ليدلَّ على حربٍ تكادُ الفكرة تفصح عنها بمفردة القصف، وما سوى ذلك هو المعرفة الشخصية بالحرب بمخاتلة وجودها الإعلاني المفرط، وربما هذا الخفوت سيكونُ بتوصيف آخر هو تلكؤ في معرفتها إذا كانَ الرائي هنا مفترضًا وليسَ حاضرًا في ساحتها بقدرِ ما يرقبها من نافذة بعيدةٍ، لكن أيًا كان شأنُ هذه العلاقة معها فهي مؤسِسة لعلاقة من زاوية أخرى، زاوية تجعلُ التشعير هنا ملامسة خفيفة للجلل الذي تفرضهُ الحرب، فيصبح أي اقتراب مهما كان عظيمًا في مرتبةٍ أدنىَ من الفعلِ الذي تحققهُ هذه الجائحة "إلى المدرسةِ، برفقةِ الأطفال يمضي القصفُ.. جمعًا/ أثناء الظهيرة، يؤوبون حيثُ البيوت المائلة إلى الترابي/ هناك، خلفَ كثبان الأشجار تلك أفعى عملاقة./ أنفاسٌ يافعةٌ تهبطُ أعلى رؤوسِ نباتات حادةِ الخشيةِ".

بعد كتاب مشترك لم تتحدد شخصيته فيه، يتخلص ريبر يوسف من عبء التجربة، ومن عبء تجارب مجايليه

في القسم الثاني يأتي أقلُّ توهجًا، اليومي والعابر، لذلك رافقت النصوص القصيرة نوتة الموسيقى التصويرية لـ(Elende usiv) بحكم تخلُصه من الدلالة الإشارية للعنوان والمتمثلة بـ"قصف" بإحالتها الدامغة إلى الحرب "العلمُ يدفنُ وجهَ المرء في صورة/ من الممكن أن تكونَ الصورة الشخصية قبرًا مفتوحًا، ربما، أفشلُ في الإتيان بتفسير يخصُّ ارتيابًا يباغتني/ لحظة تعثّري بأي صورة تقعُ عليها عيني/ المردداتُ، خلسةً تستنهضُ الارتياب".

ريبر يوسف، وبعد تجربة كتاب مشترك لم تتحدد شخصيته فيه، يكتبُ "من غصن إلى آخر يتنقل القصف" ليتخلص من عبء التجربة وأيضًا من عبء تجارب مجايليه، هذه المغامرة المحكومة بحكمة تلمَّسَ خيوطَها ريبر ليسَ بما تقتضيهِ الحكمة من تكثيف أو تحميل للقيمة والمثال وإنما باستثمار المغامرة التي تصل حد طيشَ الولد "استرقتُ السمعَ إلى رنة الدلو في بحتِها العميقةِ والنقية/ وأتقنتُ القراءة والكتابةَ عبر النجوم، المكشوفةِ أمام زفراتنا؛ كانت سخيةً، والإرشادُ همها الوحيد".

اقرأ/ي أيضًا:

في مديح النص وذم سواه

ثقافة البؤس