رياض الصالح الحسين .. شاعر ضدّ النسيان

رياض الصالح الحسين .. شاعر ضدّ النسيان

جنان داوود/ سوريا

تجيء الذكرى الثالثة والثلاثون لرحيل رياض الصالح الحسين، وحضوره الشعري يكتسب بمرور السنين إشراقًا متجددًا ومتزايدًا، حتى يمكننا القول: ليس رياض حصينًا ضد الزمن فحسب، وإنّما قد دخل ديمومته بالمادة الشعرية الناصعة التي قدمها. لقد عرف شعره إقبالًا لافتًا لدى الجيل الذي لم يعاصره، الجيل الذي يعرف القليل عن رياض وراح يكتشف، بنفسه، الدواوين الأربعة التي تركها. ثلاثة نشرت خلال حياته والرابع صدر بعد رحيله، وله من العمر ثمانية وعشرون عامًا، كانت كافية كي يصير شاعرًا ضدّ النسيان!

قام رياض الصالح الحسين بتوظيف الحياة البسيطة في مواجهة القمع والوحشية، وحوّل خطاب الاستبداد إلى لغة عذبة

لا تقتصر أهمية رياض على الشكل الشعري الذي كتب وفقًا لهُ، ولا على القيمة الجمالية التي اكتنفها ذلك الشعر، على الرغم من كونه أحد أبرز الروّاد في كتابة قصيدة النثر، ويمكن الزعم بأنّه من الذين فتحوا الباب على مصراعيه، ليخرج شعراء كثر من صلب تجربته الفريدة في كتابة قصيدة اليوميات، والتي تعنى بالناس الذين يمضون حياتهم على الهامش، إذ تصور قصيدة رياض مآلات أحلامهم وتنقلهم إلى المتن، على نحو ما. وإنّما تتعدى أهميته ذلك إلى الوعي السياسي المحرك لعدد كبير جدًا من نصوصه، دون أن يعي القارئ ذلك بشكل مباشر، لقد قام بتوظيف الحياة البسيطة في مواجهة القمع والوحشية، وحوّل خطاب الاستبداد بفعل ساحر إلى لغة عذبة تكاد، لشدة عذوبتها، أن تطير من الصفحات إلى مخيلة بعيدة عن القتل والخراب اليومي.

تظهر لنا التفاصيل القليلة المعروفة، من أصدقاء رياض، عن حياته الشاقة، الحياة السورية بشكل خالص، عن أب تنقل خلال خدمته من درعا إلى حلب وعنه هو رياض الأصم والذي يعاني مشاكل في النطق. تظهر لنا مفارقات عجيبة، إذ إنّ ما حرره من بؤس حياته وشقائها هي لغة لطالما حملت له دلالاتٍ قاتمة. لكن على الرغم من ذلك فقد دفعته إلى أمل صارخ بالحرية، وهي من أكثر المفردات تكرارًا بين مفردات الشاعر: "انظروا إليه/ انظروا إليه فقط/ لقد تفسخ جسده/ منذ زمن بعيد/ وما زال يحمل/ راية الحرية".

راح رياض يبني من مفردات القهر عالمًا مشرعًا على الجمال والانتصار للقيم التي لطالما فتن بها الشعر. لقد كتب خارج أيدلوجيات المرحلة التي عاشها، إلا بما عني بالحرية والعدالة والحب، كتب خارج إرادة الأحزاب والأنظمة، وربما من هنا، أيضًا، يجيء سر تجدده الدائم والمنيع على ابتكاراتنا السورية الجديدة، في الهويات والطوائف والموقف من الثورات والأنظمة. كون شعره قدم مفهومًا في التغيير أبعد من الثورة. وقدم مفهومًا حميميًّا ومؤلمًا، في آن واحد، عن الوطن. "ما أشك فيه/ يا ديكارت المجنون/ بأنّ أكذوبة وأكذوبة/ وبناية فوق بناية/ ومستنقعًا قرب نهر/ يساوي ثورة!".

يبرز رياض الصالح الحسين شاعر سوريا اليوم، لأنّه وصل إلى المعنى البعيد للشعر

يبرز رياض شاعر سوريا اليوم، أكثر من أي زمن آخر، ربما لأنّه وصل إلى المعنى الإنساني البعيد للشعر. علاوة على أسلوبه الشعري، مثل الاستخدام المميز والغريب عن أي استخدام سابق للمفردة، بتوظيفها في سياق معنى مختلف، معتمدًا انزياحات لغوية شديدة الوعي بغرابة حياتنا اليومية، حيث تقع المفردة على معنىً نقيض لها بالكامل، قد يبدو ذلك لوهلة، بأنّه كتابة داخل اللغة، لكن بالنسبة لرياض فإنّه إخراج للغة من ذاتها إلى حياةٍ مليئة بالزهور والتوابيت.

لربما قصيدته "سوريا" هي من أكثر القصائد التي اقتبس منها السوريون خلال السنوات الفائتة، كم لنا أن نردد بكامل خسارتنا وتفرد مأساتنا، ونحن نتأمل شاشات الأخبار التي لم تعد عاجلة ونتمتم بصمت لاذع: "لن نتركك تضيعين يا سوريا/ كأغنية في صحراء".

اقرأ/ي أيضًا:

صورة ضائعة مع وديع سعادة

سوزان عليوان.. خفوت النبرة وهاجس التعبير