رياض الصالح الحسين.. بعيدًا عن التصفيق والتهليل

رياض الصالح الحسين.. بعيدًا عن التصفيق والتهليل

رياض الصالح الحسين (أرشيف)

في الذكرى الرابعة والثلاثين لرحيل الشاعر السوري رياض الصالح الحسين (1954- 1982)، تبدو هناك حاجة سوريّة، بالدرجة الأولى، إلى إعادة النظر في منجز الشاعر، وأثره الكبير على الشعر السوري، ذلك أنه بات يمثّل تقليدًا راسخًا في الشعرية السورية، وصل إلى حد دمغ الأسلوب السوري الشعري ببصمة الراحل.

تقول قصائد السوريين إن رياض الصالح الحسين لا يزال حيًّا، يواصل الكتابة بتوقيعاتٍ مختلفة

تقول قصائد السوريين إن رياضًا لا يزال حيًّا، يواصل الكتابة بتوقيعاتٍ مختلفة، وهذه بحدّ ذاتها جنايةٌ شعرية، لا تمسّ صاحب "وعل في الغابة" بمقدار ما تطال ضمور المخيال لدى أغلب شعراء سوريا، وتوقّف إبداعاتهم ضمن الحدود التي رسمتها دواوين مثل "خراب الدورة الدموية" و"أساطير يومية"، بل إنها لم تعد تغادره إلا لمامًا، الأمر يشير إلى شبهٍ بذلك الأثر الدرويشي الطاغي على قصائد الفلسطينيين، أو أثر سليم بركات على قصائد الأكراد الذين يكتبون بالعربية، آخذين بعين الاعتبار، طبعًا، ذلك الفرق شاسع بين غنى وتعدّد عوالم كلّ من درويش وبركات، المتعدّدة الأصوات، الغنية بالدلالات والإحالات الثقافية والتاريخية، وبين خطيّة شعرية رياض.

اقرأ/ي أيضًا: قاتلة رياض الصالح الحسين

لا نزال نقرأ شعرًا ساذجًا، قراءته سطحية للعالم والذات، بالتأكيد أن رياض بريء بالكامل من تهم السذاجة وسواها، فقد كتب بهذه الطريقة، وهذا النَّفس، لكونه كان في بدايته كشاعر، لكن ما حدث أن تلك البدايات تكرّست بطريقة جعلتها تصبح مرجعيةً لا يغادرها الشعر السوري، بل إن الخروج عليها بات يوصم بانعدام الكفاءة والموهبة. 

مثّلت الثورة السورية مناسبة أعيد فيها اكتشاف هذا الشاعر، ربما لأن السوريين وجدوا في قصيدته "سوريا"، التي ضمها ديوانه "بسيط كالماء.. واضح كطلقة مسدس"، مرثية معاصرةً لبلدهم المنكوب، فكان لتكرار نشر هذه القصيدة بالذات، أو الاستشهاد المتكرّر بها، دورًا في تطويبه مرجعيةً كبرى، دون أن يخلو الأمر من رغبة سياسية، تبحث عن دور ثوري للشعر السوري في مواجهة النظام.

الفطرة، العفوية، البراءة، الطفولة.. علاماتٌ رسخّتها تجربة الشاعر التي مرّت كالبرق، فالـ28 سنة التي عاشها لم تكن كافية ليصل إلى مستوى من النضج الفنيّ يجلعنا نرصد تحولاتٍ وانتقالاتٍ مميزة، بل إنه غادر وهو لا يزال مقيمًا في نمط يوميّ، شفهيّ، خطيّ. ولا شك أن هناك دورًا مهمًا لعبه كلٌّ من رحيله المبكّر، ومرضه، وحالة الصمم التي كان يعيشها، ما جعله يتحوّل إلى أيقونة شعرية، يرى فيها السوريون ذاتهم، الأمر الذي حال دون موقف نقديّ متأمّل وفاحص، وبات الاكتفاء بالاحتفاء به فلكلورًا لا يجب الخروج عليه.

 لتكن قراءة رياض الصالح الحسين إطلالة على تجربة بلا قداسة

اقرأ/ي أيضًا: ضبط إيقاع التفاصيل

الأيقونية التي وُضع فيها رياض، والتي لا علاقة له بها، شكّلت حجابًا لشعريّات سورية كبرى، أحدثت تأثيرًا ثقافيًا هائلًا، ساهم في إطلاق تحولات في الفهم والمنظور لمعنى الشعر ودوره، كما هو حال تجربة نزار قباني، على سبيل المثال، التجربة الكبيرة التي أُوقعت عن قصد في شرك التنيمط، عبر حصرها ضمن موضوعتي المرأة والغزل، مع أنّ هذه التجربة، في العمق، زلّزلت بنية ومنطق الجملة الشعرية، وأعطتها نبرة أنثوية، أطاحت بالصوت الفحولي الذي دمغ شعر العرب لقرون.

لا ترمي هذه المداخلة إلى المسّ برياض، أو مكانته، لكنها تحاول طرح علامات استفهام حول النفق الذي أفضت إليه هذا المسار، من إيصال الخيال السوري إلى مستوى من الفقر والشحّ، يبدو فيه الشعر تعليقًا محايدًا على الواقع، ومن تغليب للّغة الصحافية على اللغة الفنية، ومحو الحدود بين الشعر واليوميّات، بل، والأخطر، بين الشعر والمقالات ذات الطابع الذاتي. 

هل ذكرى رحيل الشاعر مناسبة مواتية لمثل هذه الأسئلة؟ أم يجب الاكتفاء في ذكراه بالتصفيق والتهليل؟ هل تقدّم الحالة الاحتفالية معرفةً وفنًا؟ لنُعدْ، على ضوء هذه الأسئلة وسواها، قراءةَ هذه المدونة الشعرية، واضعين في البال مقدار ما أحدثته في الشعريّة السورية، وبعض الشعريات العربية، من عطالةٍ، وبعدها لتكن قراءة رياض الصالح الحسين إطلالة على تجربة بلا قداسة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

نحن أصدقاؤك يا رياض

مع رياض الصالح الحسين في فيسبوكه