روسيا وأوكرانيا.. الحرب تزداد تعقيدًا
7 سبتمبر 2025
مع دخول الحرب الروسية الأوكرانية عامها الرابع، تتراجع الآمال بوقفٍ قريبٍ للقتال، فيما تتسع رقعة النار على نحو ينذر بتحولات نوعية. فالهجمات الروسية باتت تطال قلب كييف، وصولًا إلى مقر الحكومة نفسه، فيما ترد أوكرانيا بضربات كثيفة تستهدف منشآت الطاقة الحيوية داخل روسيا.
وفي خضم هذا التصعيد، يطفو على السطح مشروع "تحالف الراغبين" الذي تقوده باريس ولندن، لإرسال ثلاثين ألف جندي أوروبي إلى أوكرانيا، في خطوة قد تنقل الحرب من صراع إقليمي إلى مواجهة دولية مفتوحة.
تكثيف القصف
قامت روسيا بشنّ أكبر هجوم بواسطة الطائرات المسيرة ليل السبت، وأدى الهجوم الذي استهدف مقر الحكومة الأوكرانية في كييف إلى اشتعال النيران في المبنى، في ظل معلومات أكدت سقوط عدد من القتلى والجرحى. وأفاد بيان صادر عن سلاح الجو الأوكراني بأنّ القوات الروسية أطلقت 805 مسيّرات و13 صاروخًا نحو الأراضي الأوكرانية، ويعدّ هذا الرقم هو أكبر عدد منذ بداية الحرب منتصف شباط/فبراير 2022.
واعتبرت وزارة الخارجية الأوكرانية أنّ استهداف مبنى الحكومة يمثل "تطورًا خطيرًا" وتصعيدًا نوعيًا في "العدوان" الروسي على أوكرانيا. وهو ما يتطلب، حسب الأوكرانيين، "ردًّا حازما من حلفاء كييف".
ظلّت مشاركة الأجانب الأوروبيين إلى جانب القوات الأوكرانية فوق ساحة القتال مسألة غير رسمية، وإن كانت مسلّمًا بها نظرًا لتشجيع السلطات الأوكرانية عليها
وتسبب الهجوم الروسي، حسب وكالة رويترز، في انقطاع الكهرباء عن العاصمة كييف. ولم تتوقف الضربات الليلية الأوكرانية عند العاصمة بل طالت أيضًا منطقة سومي شرقي أوكرانيا، حيث أسفر القصف الروسي عن مقتل مدني واحد على الأقل وجرح آخرين. وتسعى روسيا منذ أشهر إلى إقامة منطقة عازلة في سومي تحسّبًا لأي توغل مشابه لذلك الذي حصل آب/أغسطس الماضي عندما نجحت قوات أوكرانية في اجتياح منطق كورسك الحدودية، وتطلّبت استعادة المنطقة بعد ذلك أكثر من 6 أشهر.
محطات الطاقة في قلب القصف
تسيطر روسيا على محطة زاباروجيا النووية التي تعد أكبر محطة من نوعها في أوكرانيا. ويتعرض محيط المحطة منذ فترة لهجمات الطيران المسير في ظل مخاوف دولية من وقوع كارثة نووية جراء الاستهدافات المتعددة. وفي أحدث هجوم على المحطة أفادت الإدارة التي عينتها روسيا عليها بأنّ "مسيّرات أوكرانية أصابت سطح مركز تدريب بالمحطة لكنها لم تخلف أضرارا جسيمة أو زيادة في مستويات الإشعاع"، وأوضحت الإدارة أن الضربة كانت على بعد حوالي 300 متر من وحدة المفاعل النووي.
وامتد القصف الأوكراني ليطال مصفاة إيلسكي الروسية للنفط، حيث أعلنت إدارة المصفاة عن اشتعال النيران في إحدى وحدات المعالجة جراء إصابة طائرة مسيرة لها. كما أعلنت القوات الجوية الأوكرانية أنها هاجمت بواسطة المسيرات "خط أنابيب دروجبا للغاز في منطقة بريانسك الروسية المتاخمة لأوكرانيا".
يشار إلى أنّ الطاقة (الغاز والنفط) يعدّ أكبر مصدر اقتصادي يغذّي مجهود روسيا الحربي، وهذا ما يفسّر تركيز العقوبات الأوروبية على هذا القطاع، كما يفسّر أيضًا تركيز الهجمات الأوكرانية عليها. فمن دون عائدات الطاقة، تعتقد أوكرانيا وحلفاؤها، أن قدرة روسيا الحرب ستكون مشلولة.
يشار إلى أن روسيا تسيطر في الوقت الحالي على خُمس الأراضي الأوكرانية، وتشترط لوقف القتال تنازل أوكرانيا عن إقليم دونباس، وعدم انضمام كييف إلى حلف شمال الأطلسي، وعدم استقبال أي قوات أجنبية على الأراضي الأوكرانية. وترفض أوكرانيا هذه الشروط وتعتبرها بمثابة إعلان استسلام.
قوات الراغبين: نحو تعقيدات جديدة في الحرب
ظلّت مشاركة الأجانب الأوروبيين إلى جانب القوات الأوكرانية فوق ساحة القتال مسألة غير رسمية، وإن كانت مسلّمًا بها نظرًا لتشجيع السلطات الأوكرانية عليها، وذلك ما يشهد عليه رفع الأعلام الفرنسية والبريطانية والدانماركية والبولندية والإستونية والليتوانية وحتى الأميركية والتركية والأذربيجانية والجورجية عند نصب "ركن الأبطال" في ميدان الاستقلال وسط كييف، حيث يخلّد ذلك النصب ذكرى الأجانب الذين سقطوا دفاعًا عن أوكرانيا في مواجهة القوات الروسية خلال الحرب الحالية.
ويبدو أنّ "تحالف الراغبين" الذي تقوده فرنسا وبريطانيا في طريقه إلى إضفاء الصبغة الرسمية على مشاركة القوات الأوروبية والأجنبية في دعم المجهود الحربي الأوكراني، ويتم الحديث في الوقت الحالي عن قوة قوامها 30 ألف مقاتل. وفي حال تم الزج بهذه القوة في أتون الحرب فستكون هي المرة الأولى التي يقاتل فيها حلفاء أوكرانيا معها على أرض المعركة بشكلٍ مباشر. وعلى الرغم من تهديد موسكو من تداعيات هذه الخطوة وأنها ستكون بمثابة إعلان حرب عليها مع ما يستدعيه ذلك من رد، فإن الأوروبيين يعتبرون أن روسيا كانت أول من لجأ إلى الاستعانة بالقوات الأجنبية، عندما استقبلت على أراضيها أكثر من 11 ألف جندي من كوريا الشمالية، ساعدوا القوات الروسية في معركة استعادة كورسك.
وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد أكد على هامش استضافة باريس لقمة تحالف الراغبين، الأسبوع المنصرم، عن اكتمال خطط إرسال ما وصفها بـ"قوات سلام" إلى أوكرانيا، وذلك في انتظار الموافقة السياسية على تلك الخطط، وتحدث ماكرون عن إعلان 26 دولة أنها "مستعدة لإرسال قوات أو تمويلها".
ويصطدم هذا المسعى لحد اللحظة بالموقف الأميركي الذي لا يزال مترددًا بشأن التصعيد ضدّ روسيا عن طريق فرض العقوبات أو توفير مظلة جوية لأي قوات أجنبية ستنتشر في أوكرانيا، حيث أبدت إدارة ترامب استعدادها فقط لدعم الضمانات الأمنية لصالح أوكرانيا إذا تم التوصل إلى اتفاق سلام.
ويعتقد المحللون أنه من دون الدعم الأميركي للقوات الأوروبية فسيكون أي تدخل مباشر جهدًا عبثيًا يطيل أمد الحرب وربما يوسّع نطاقها لتمتد نحو دول أوروبية أخرى.











