روسيا تستثمر في تفتيت البوسنة.. إعادة إنتاج

روسيا تستثمر في تفتيت البوسنة.. إعادة إنتاج "البلقنة"

تريد روسيا ملء الفراغ الذي تتركه الولايات المتحدة في البلقان (Getty)

يركز هذا التقرير المترجم عن صحيفة "فورين بوليسي" على إحدى سياسات روسيا في البلقان، حيث يتراجع الاهتمام الأمريكي وتحاول روسيا استغلال ذلك، وتحديدًا في منطقة البوسنة والهرسك، وتدعم نزعات صرب البوسنة الانفصالية من خلال طرق عدة.


يحتاج أي شخص يشكك في أن روسيا تسعى لملء أي فراغ سياسي تخلفه أمريكا في أوروبا، إلى إلقاء نظرة على البلقان. في السنوات الأخير تراجع اهتمام أمريكا في المنطقة بينما ركزت روسيا على الفرص السانحة لعمليات زيادة نفوذها.

تنقسم البوسنة إداريًا بين كيانين لامركزيين: اتحاد البوسنة والهرسك، الذي يتشكل معظم سكانه من البوسنيين والكروات، وجمهورية صربسكا "صرب البوسنة" والتي تتمتع بأغلبية صربية

لم تكن كرواتيا هي الهدف الرئيسي، وهي أحد أعضاء الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، ولم تكن صربيا كذلك وهي صاحبة تاريخ طويل من العلاقات مع موسكو، بل يركز الكرملين مؤخرًا على البوسنة والهرسك بدلًا من ذلك وهي دولة متحالفة مع الغرب، وبالرغم من ذلك فهي عرضة لزعزعة الاستقرار خاصة مع اقتراب موعد الانتخابات في تشرين الأول/أكتوبر القادم.

تنقسم البوسنة إداريًا بين كيانين لامركزيين: اتحاد البوسنة والهرسك، الذي يتشكل معظم سكانه من البوسنيين والكروات، وجمهورية صربسكا (صرب البوسنة) والتي تتمتع بأغلبية صربية.

تتمثل سياسة روسيا في تشجيع الغرائز الانفصالية لهذه الأخيرة، في تشجيع الجهود التي تبدو محمودة، مثل دعم العقيدة الأرثوذكسية الصربية لسكان جمهورية صربسكا. سيوضع حجر الأساس للكنيسة الأرثوذكسية الجديدة الشهر المقبل بالعاصمة الإقليمية بانيا لوكا، وترعى روسيا الكنيسة تكريمًا للقيصر الروسي نيكولاس الثاني الذي جاء للدفاع عن صربيا في الحرب العالمية الأولى. كما ستوفر الكنيسة الخدمات الدينية بانتظام بمجرد الانتهاء من بنائها، من قبل كل من الكهنة الصربيين والروس في طوائفهم الأرثوذكسية.

يتم توجيه التعاون الأكثر عمقًا بين صرب البوسنة وروسيا عبر قوات الأمن في جمهورية صربسكا؛ حيث لا يُسمح للمنطقة بأن يكون لها جيشها الخاص بموجب شروط اتفاقية دايتون التي أنهت حرب البوسنة في عام 1995، لكنها تحافظ على قوة شرطتها الخاصة وهي قوة لها علاقة وثيقة بشكل متزايد مع موسكو.

اقرأ/ي أيضًا: حرب التشريعات بين روسيا والولايات المتحدة.. ووسائل الإعلام هي الضحية

ركزت المحادثات خلال زيارة رسمية قام بها وفد روسي إلى بانيا لوكا عام 2016، على إقامة شراكة بين جمهورية صربسكا والشرطة الروسية بشأن مسائل تشمل جمع المعلومات الاستخبارية ومكافحة الإرهاب ومكافحة الجريمة الإلكترونية، واتفقت جمهورية صربسكا أيضًا على استضافة مدربي الشرطة الروس وإرسال أعضاء من الوحدات الخاصة الصربية إلى موسكو للتدريب.

يقوم ضباط المخابرات الروسية (الأعضاء السابقون في جهاز الأمن الاتحادي) منذ ذلك الحين بإلقاء المحاضرات وتقديم الدورات في أكاديمية الشرطة في جمهورية صربسكا، وفي كلية الدراسات الأمنية في جامعة بانيا لوكا، التي تعمل كقسم تخطيط سياسة الشرطة الإقليمية.

لا يخفي أعضاء هيئة التدريس وجهات نظرهم الموالية لروسيا، فقد أعلن بريدراغ كيرانك عميد الكلية والضابط السابق في المخابرات ومؤلف كتاب، والذي يتضايق من "الروس الصغار" في إشارة إلى الصرب بـ "الروس الصغار". يقول في مقابلة له مع مجلة "فورين بوليسي" أن "تنعكس التطورات في الشرق الأوسط والمنافسة بين روسيا والغرب على البلقان. لكل من الشرق الأوسط والبلقان أهمية استراتيجية للقوى العظمى وتؤثر الحرب في الشرق الأوسط على التنافس بينهما في البلقان ".

كما يتدفق تبادل المعرفة العسكرية والتنشئة الاجتماعية بين أفراد الأمن في الاتجاه الآخر من جمهورية صربسكا إلى روسيا، ويسافر الضباط العسكريون السابقون في جمهورية صربسكا كثيرًا للعمل في روسيا، فعلى سبيل المثال يعمل النقيب السابق تيهومير إيفانوفيتش من بانيا لوكا حاليًا محاضرًا في إحدى الأكاديميات العسكرية الحكومية في موسكو، كما ويدرس ابنه أيضًا علم اللاهوت والدبلوماسية في موسكو ويشارك في أنشطة الكنيسة الأرثوذكسية في جمهورية صربسكا وصربيا وروسيا.

قامت جمهورية صربسكا بذريعة مكافحة الإرهاب بتعزيز قوة شرطتها الخاصة في الآونة الأخيرة بطرق تشبه العسكرة الصريحة وبمساعدة روسيا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال اشترت وزارة الشؤون الداخلية في جمهورية صربسكا 2500 سلاح طويل الماسورة هذا العام من شركة سلاح زاتفاس وهي شركة صربية مصنعة في كراغوييفاتس. ووفقًا لروف بتروفيتش وزير الاقتصاد السابق للبوسنة فإن هذه هي عشرة أضعاف عدد البنادق القوية التي طلبتها قوات الشرطة الوطنية في سراييفو.

 كما ستفتتح سلطات جمهورية صربسكا أيضًا مركز تدريب جديد بقيمة 4 ملايين دولار، في موقع ثكنات الجيش السابقة في زالوزاني خارج بانيا لوكا. وقد التزمت روسيا بتزويد القوات الصربية بتدريب خاص لمكافحة الإرهاب بالفعل في المركز، والذي سيكون بمثابة مقر لوحدات مكافحة الإرهاب الجديدة ووحدات اللوجستيات وإدارة مكافحة الجريمة المنظمة، كل هذه الإضافات ستجعل الشرطة الصربية أقرب إلى قدم المساواة مع قوات الأمن الوطنية في البوسنة.

هناك أيضًا مجادلة مستمرة في جمهورية صربسكا لإنشاء مركز "إنساني" روسي مماثل لمركز أنشئ بالفعل في مدينة نيس الصربية، والغرض منه رسميًا هو مساعدة الحكومة المحلية في مواجهة الكوارث الطبيعية مثل الفيضانات والحرائق. ولكن يشتبه في أن المركز في نيس يعمل كمركز استخباراتي روسي وقاعدة عسكرية غير رسمية؛ لأن روسيا طلبت الحصانة الدبلوماسية لأفرادها المتمركزين هناك.

أقامت روسيا وجمهورية صربسكا روابط وثيقة بين منظمات المحاربين القدامى في كل منهما؛

كما أقامت روسيا وجمهورية صربسكا روابط وثيقة بين منظمات المحاربين القدامى في كل منهما؛ ( يظهر وشاح القديس جورج بشكل بارز على شاشة في مكاتب رابطة المحاربين القدامى في بانيا لوكا وهو رمز للانفصاليين الروس في أوكرانيا وأنصارهم). وقد شاركت هذه المنظمات في تجنيد السكان المحليين للسفر إلى شرق أوكرانيا وسوريا كمقاتلين أجانب مع الشركات العسكرية الخاصة الروسية مثل مجموعة فاغنر. وينتمي مكتب قدامى المحاربين في بانيا لوكا أيضًا إلى منظمة شبه عسكرية صربية تعرف باسم "الشرف الصربي" دُرِب قادتها في روسيا.

ما زالت روسيا لا تتمتع بالكثير من القوة الناعمة في البوسنة أو حتى في جمهورية صربسكا. وتقول ليليا بتروفيتش زيسيتش مديرة المكتبة الوطنية والجامعية لجمهورية صربسكا التي تستضيف المركز إن المؤسسة الثقافية الرئيسية في روسيا في بانيا لوكا (مؤسسة روس مير) "لا تملك الموارد المالية الكافية للعمل بشكل صحيح" ثم أضافت "إن أنشطتهم محدودة للغاية، ولا يبدي الناس اهتمامًا كبيرًا بالثقافة الروسية باستثناء الأفلام الروسية التي يتم بثها على تلفزيون "آر إس" لدى معهد غوته (الموجود أيضًا بنفس المنشأة)، في حين أن المراكز الثقافية الغربية الأخرى تملك المزيد من المال والشعبية".

ومع ذلك فلدى ميلوراد دوديك رئيس جمهورية صربسكا وفرة من الحوافز للزج بورقة مؤيدة لروسيا في اقتراب موعد انتخابات أكتوبر، رغم أن العديد من مستشاريه مؤيدين للغرب بشكل علني. يتمتع دوديك بموهبة إذكاء أحزان الصرب البوسنيين الذين ما زالوا يشعرون بالعار بسبب عدم الاعتراف بضحايا مجتمعاتهم في حروب التسعينات، والتهميش الدولي لقضاياهم (يتحمل المسؤولون في سراييفو بعض اللوم لنبذ نظرائهم في جمهورية صربسكا).

لا تزال الروابط السياسية والاقتصادية بين موسكو وبانيا لوكا رمزية في معظمها في الوقت الراهن، ويحدث التعاون الأكثر رسمية بين الحكومات في اجتماعات تسهلها روسيا

ومع تزايد الإستياء من حكومته بين الصرب البوسنيين، فإن أفضل فرصة لبقاء دوديك في منصبه هي تقديم نفسه كضامن للإستقلال الذاتي في المنطقة ضد الطموحات المزعومة للحكومة المركزية "النخب" في سراييفو وأنصارهم في الغرب.

اقرأ/ي أيضًا: "روسيا اليوم".. صناعة الوهم البوتيني

وصفه لخصومه في جمهورية صربسكا كعملاء للغرب، بينما يروّج علناً لإرتباطه بروسيا - التي تصوّر نفسها على نحو متزايد كمعارض للغزو الجيوسياسي للغرب في الماضي والحاضر- يمهد الطريق الأكثر مباشرة لدوديك لتحقيق أهدافه السياسية الحالية. وقد أشاد دوديك مرارًا بالروس بوصفهم أقرب أصدقاء الصرب البوسنيين ودعاهم للعب دور أكبر في المنطقة. أما روسيا فقد أصرت من جانبها على الحفاظ على الوضع السياسي السيء المتزايد بالبوسنة، وذلك تحديدًا لأنه يضمن استقلال صرب البوسنة. ليس واضحًا ما إذا كان هدف دوديك النهائي هو إنشاء دولة صرب البوسنة المستقلة، حتى لو كان ذلك نتيجة إثارة مخاوف ناخبيه.

لا تزال الروابط السياسية والاقتصادية بين موسكو وبانيا لوكا رمزية في معظمها في الوقت الراهن، ويحدث التعاون الأكثر رسمية بين الحكومات في اجتماعات تسهلها روسيا مع  دول غير معترف بها (من بين المشاركين الآخرين أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية) لكن لا يبدو أن أحدًا يأخذ هذا الاجتماع على محمل الجد (ناقشت جمهورية صربسكا شراء النبيذ من أبخازيا، لكن لم يسبق لها أن وقعت صفقة رسمية).

لكن الروابط ستكون أكبر إذا فاز دوديك كما هو متوقع في انتخابات أكتوبر الرئاسية، ومن غير المحتمل أن تتضمن استراتيجية روسيا التدريجية أي تحركات مفاجئة لكنها قد تغري سراييفو في نهاية المطاف أو حلفاءها الغربيين بالتدخل لمنع حدوث فصل تام بين بانيا لوكا وبقية البوسنة، وفي هذه الحالة قد يصبح تصعيد روسيا أمرًا لا مفر منه ولا يمكن التنبؤ به، وقد يكتشف الغرب في النهاية أن الوقت أصبح متأخرًا جدا على التدخل.

 

اقرأ/ي أيضًا:

هل تعزل موسكو نفسها دوليًا؟

سوريا..الخطة الأمريكية البديلة تعود للواجهة