"روسيا اليوم" أسوأ منها في الأمس

مقطع من كاريكاتير لـ بيان بيوماند/ إيلاان

منذ انطلاق العملية العسكرية في سوريا لدعم النظام المتهالك، يقاتل الكرملين على جبهة الإعلام من خلال ذراعه الدعائية قناة "روسيا اليوم" ببثها المتعدد اللغات. وقد انتقلت القناة المنسية من عرض أفلام تاريخية قديمة وريبورتاجات سياحية بدائية وتقديم برامج حواراية باهتة ونشرات إخبارية رسمية إلى اقتحام ميدان المعارك على الأرض السورية برفقة الجيش النظامي مستعينة بمراسلين من المركز بدلًا من المحليين الذين يبدو أن عملهم لم يعد يناسب المرحلة الجديدة، فكما نزل الحليف السياسي والتسليحي بنفسه إلى المعركة كذلك بعث بمراسليه الحربيين لإعطاء المزيد من الحرفية والتبرير للحملة العبثية على المدنيين السوريين والقوى الثورية الأصيلة. 

كما نزل الحليف الروسي بنفسه إلى المعركة، كذلك بعث بمراسليه الحربيين لإعطاء المزيد من الحرفية والتبرير للحملة العبثية على سورية

رافق ذلك نوع من العرض العسكري المستمر على الهواء عبر الترويج للأسلحة الروسية الجديدة بما يشبه الإعلانات التجارية، فيما كانت أناشيد الحقبة السوفييتية تصدح على التليفزيون الطائفي السوري، في حين ترك للمحللين من مستحاثات اليسار الغربي وأبواق حلف الممانعة والسيادة التشديد على فعالية الغزو الروسي دون إشارة إلى التنسيق مع إسرائيل، والتذكير بسببه وهو تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" الإرهابي، أو التغني للمرة الألف بنهاية عصر القطبية الواحدة وبالقيصر والاتحاد السوفييتي معًا.

أصبحت قناة "روسيا اليوم" الروسية الموجهة للعرب، بين ليلة وضحاها قناة متابعة، فمن يريد معرفة أخبار الحرب السورية من الجبهة الأخرى لن يذهب إلى الفضائية السورية أو قناة الدنيا أو المنار أو العالم، بعد أن أصبحت لروسيا لا لإيران اليد العليا في البلاد، خاصة مع ذيلية الإعلام السوري، التي ظهرت على الدوام عبر اقتحام مراسلي "المنار" الحزب آلهية، و"العالم" الإيرانية للخطوط الأمامية بينما ظل الإعلام السوري آخر من يعلم، في حين بقيت قناة "Russia today" الناطقة بالإنجليزية أقل إثارة للاهتمام رغم بعدها الدولي، وهي القناة التي أتت بمؤسس موقع ويكيليكس جوليان أسانج لتقديم برنامج، كما استعانت بالمذيع الأمريكي الشهير لاري كينغ لتنال شيئًا من الانتشار وتجمل صورة روسيا البوتينية الفاسدة ذات التجارب المرة في الشيشان وجورجيا وأوكرانيا وأخيرًا في سورية.

وإذا كانت تقارير المراسلة الروسية في قناة "روسيا اليوم" الناطقة بالعربية آنا كنيشنكو قد نالت حظًا من الاهتمام في الصحافة العربية، فإن من الجدير بالاهتمام تناول تقارير زميلتها في القناة الإنجليزية ليزي فيلان، ففي تقرير أخير لها حول عمليات الجيش النظامي السوري في محيط مدينة تدمر التي يسيطر عليها داعش، تقف المراسلة على خط جبهة من الواضح أنه مفتعل، حيث بالكاد تظهر المدينة التاريخية في أفق الصورة ويوجه جندي سوري نيران سلاحه الخفيف من وضعية مكشوفة إلى مكان ما هو بالتأكيد ليس أي موقع في المدينة التي تزيد المسافة إليها كثيرًا عن المدى المجدي لكلاشينكوفه، وفيما تركض المراسلة بين التلال الجرداء، لا نسمع أي رمايات مقابلة للرمايات النظامية، ثم نرى المراسلة في سيارة مدنية حديثة على طريق مفتوح، بصحبة ضابط سوري كبير حليق الذقن مصبوغ الشاربين يضع نظارات شمسية رخيصة، يلتفت للكاميرا وهو يتحدث ليظهر وجهه بوضوح ولم يكن ينقص إلا أن يوضع اسمه على الشاشة، أما رتبته فظاهرة بوضوح على كتفي بدلته النظيفة ذات الأشرطة الملونة، ويبدو هذا الجنرال الزاهي الذي قاد عشرة جنود لاقتحام تدمر ربما من مكان قريب من حمص، أشبه بمطرب يؤدي أغنية عاطفية مبتذلة إلى جانب موديل روسية.

وتبدو غاية هذا التقرير الساذج، هو إقناع العشيرة الاستشراقية العالمية بشقيها اليساري والمحافظ أن "الجيش العربي السوري" العلماني موجود وفعّال، وهو يقاتل الإرهاب، ويحاول تخليص مدينة تدمر الأثرية، الكنز البشري، من براثن الإرهابيين الإسلاميين، وأن قادته شجعان، لهم وجه إنساني، حضاريون ونظيفون.

يسجل للإدارة الاستخباراتية الإعلامية الروسية، براءة اختراع تحطيم البنية المنطقية للغة الإنجليزية وتحويلها إلى لغة دعائية

وفي نشرة الأخبار ذاتها التي ظهر فيها  تقرير البروباغاندا ذاك، تتهم نشرة الأخبار الشبيهة ببرنامج للتحليل السياسي إدارة أوباما بالكذب في أعقاب إعلانها نيتها إرسال خمسين خبيرًا عسكريًا إلى شمال سورية لقتال داعش إلى جانب الأكراد، لأن الإدارة الأمريكية سبق لها أن قالت أنها لن ترسل (قوات) برية إلى سورية، لتعرج النشرة على الانتخابات التركية فتردح قليلًا متوقعة هزيمة أردوغان.

يسجل للإدارة الاستخباراتية الإعلامية الروسية، براءة اختراع تحطيم البنية المنطقية للغة الإنجليزية وتحويلها إلى لغة دعائية شبيهة برطانة الشعارات العربية، ولا نعرف بالضبط من يستلهم الآخر، إعلام الأكاذيب السوري وفخر منتجاته قناة "الدنيا" أم الإعلام الحكومي الروسي وريث الدولة الشمولية ستالينية كانت أم نازية، وإذا كانت قناة نظام الريع وديمقراطية الباب الدوار الروسية، تتبع وزارة الخارجية، فإن من يقف على رأس هذه الوزارة هو سيرغي لافروف، غوبلز القرن الواحد والعشرين، الذي يسأل عن وجود الجيش السوري الحر ثم يقصفه ثم يدعوه للتفاوض. وفي الأثناء يضيع السؤال عن أسباب العدوان الروسي، حيث لا يتعلق الأمر بمنع سقوط النظام ولا تأمين "سورية المفيدة"، أما عن داعش، فهو "نوع من حل" للإجابة عن جميع الأسئلة كما تقول "في انتظار البرابرة" لكافافي، وهو الدواء الذي يصلح لجميع الأمراض أو المرض الذي تناسبه جميع الأدوية.

 

اقرأ/ي للكاتب:

"أوروبا الجديدة" التي تكره اللاجئين

جاءكم اليمين العنصري حاملًا سيفه