رودي فرانسيسكو.. درب الأمريكي الأسود

رودي فرانسيسكو.. درب الأمريكي الأسود

رودي فرانسيسكو (توتير)

"بدلًا من أن أسأل نفسي

لماذا رحلوا؟

أتساءل الآن، أيّ جمال سأخلق

في الفراغ الذي كانوا يشغلونه"

حين يتحدّث رودي فرانسيسكو عن نفسهِ يقول: "أنا لست أمريكيًا من أصلٍ أفريقيّ، أعتقد أن المُصطلح الأكثر دقّة هو أنّني أمريكيّ أسود. والشّيء الوحيد الأصعب من كون المرء أسودَ في أمريكا، هو كونهُ أسودَ وأجنبيًا". وُلد الشاعر الأمريكي رودي فرانسيسكو لأبوين من أصل بليزي، و"بليز" هي بلد صغير كان في السّابق يُسمى هندوراس البريطانيّة. يقع البلد الصّغير في شمال أمريكا الوسطى، تحدهُ المكسيك من الشّمال، وغواتيمالا من الجنوب والغرب، وإلى الشّرق يحاصره البحر الكاريبي.

كلمات رودي بسيطة سهلة تقتصد في المبالغة، ومرادها دومًا الوصول المُباشر إلى القلب. إضافةً إلى إبداع رودي في القالب الشّعري الذي يحمل كلماته

كلمات رودي بسيطة سهلة تقتصد في المبالغة، ومرادها دومًا الوصول المُباشر إلى القلب. إضافةً إلى إبداع رودي في القالب الشّعري الذي يحمل كلماته، طريقة استخدمها تُدعى "الكلمة المنطوقة" أو "Spoken Word" وهو أسلوب شّعريّ تكون الكلمة فيهِ هي البطل. بكلمات أُخرى، هو فنٌّ شفويّ يُركّز على جماليات الكلمة، من خلال التنغيم وتصاريف الصّوت وموسيقى الكلام.

اقرأ/ي أيضًا: "كتاب الأعمى" لبدر عثمان.. شعر على تخوم السرد

من التّلعثم إلى 100 مليون مشاهدة على اليوتيوب

قد تكون المفارقة العجيبة في قصّة رودي أنّه عانى، وهو صبي، من التّلعثم. ولم يَتخيّلْ أبدًا إمكانيّة الحديث أمام النّاس على خشبة المسرح. لكنّ الشاعر الأمريكي البليزي بنى لنفسهِ مكانة كواحد من أكثر الأسماء شهرة في عالم يُعرف بالـ "Spoken word" بفضل الأمسيات الشّعريّة والمقاطع المصوّرة بصوتهِ على اليوتيوب، والتي حظي بعضها بــ 100 مليون مشاهدة. يقول رودي: "في بعض الأحيان لا نفهم بالتحديد ما الذي سنكتب عنه، أحيانًا نفهمه ونحن نكتبه، ثم ينتهي بنا المطاف بهذه القطعة الفنيّة التي لم نكن نملكها من قبل. ما يجعلني أفكر في الكيفيّة الّتي بدأ بها الكثيرون منا دون معرفة كيف سنبدو في تجاربنا القادمة. مع مرور الوقت وبتقدّمنا ​​وتعلّمنا، تُصبح الصّورة أكثر وضوحًا".      

قصائد رودي: البُعد الشّخصيّ والسّياسيّ

عادة ما تناقش قصائد رودي البُعد الشّخصيّ والسّياسيّ، من خلال الصّدق وروح الدعابة التي لا يمكن التغاضي عنها بين سطوره. ونظرًا لهويّته المُركّبة، تجد أيضًا ذلك الحضور في خلفيّة هويّته الّتي يقول عنها: "لك أنْ تتخيّل، كنت في منزل والدي؛ في إحدى الغرف كانوا يقرعون الطّبول ويغنّون الأغاني البليزيّة التقليديّة. وفي الغرفة الأخرى، كان البعض يلعبون "الإكس بوكس". رودي الشّاب الذي ولد عام 1982 في سان دييغو، في كاليفورنيا، يشرح هذا الانفصام بقوله: "لقد رأيت الفجوة بين جذوري وما أنا عليه الآن وكانت تلك بداية إدراك من أنا وكيف لا أريد أن أفقد تلك الجذور".

يقول رودي في إحدى قصائده:

"حين تختار أن تكون شاعرًا

تُصبح طريقًا يمرُّ النّاس خلاله

ثم ترحل حين يكونون مستعدين

للمضيّ قُدمًا وحدهم".

قصائد رودي السّياسيّة تحدثت عن معانٍ إنسانيّة مُجرّدة ومعانٍ سياسيّة بعينها، عايشها رودي بسبب هويته المُركّبة، وحياته الشّخصيّة في الولايات المُتّحدة كأمريكيّ من أصولٍ أجنبيّة وسوداء. ويحاول من خلال شعرهِ إعادة تعريف شخصيّ للسِّلم والحوار والمقاومة والفعل وردّ الفعل بشكلٍ آسر ومثيرٍ للانتباه.

يقول في إحدى قصائده: "كلمة (تدوير) تعني أن تأخذ شيئًا/ وتجعله يفقد ذاكرته/ يعني أن تجعل شيئًا ما ينسى ما تمّ تدريبه على فعله حتى يمكنك أن تستخدمه لغرضٍ أفضل/ أتعلم أنّ هذا الجسد ليس طلقًا ناريًّا/ أتعلم أن هذا الجسد ليس بندقيّة/ أتعلم أنّ هذا الجسد لا يتم تعريفه حسبما يمكنه تدميره".

ويقول أيضًا: "أتعلم أنّ المرء الذي يعرف فقط كيف يُقاتل/ يتعلّم لغة العنف/ وأنّها لا يجب أن تكون لغة الإنسان الأم/ وأتعلم أنّ الفارق بين الحديقة والمقبرة/ هو ما تختار أنْ تضعه على الأرض".

"هيليوم"؛ كتاب رودي الأكثر مبيعًا

هو كتاب رودي الأكثر مبيعًا بين كتبه الأربعة وهي: بلا جاذبية وتقطيب الجراح  وخدوش. هيليوم هو المزيج الأكثر دسامة لرودي، يمزج فيه قصائد الحبّ والتّأمل الذّاتي والنّقد الثقافي المُركّز على الطّبقة والعرق والجنس في كيانات شعريّة لا تُنسى، ويحتوي على 58 قصيدة. وتمتلئ قصائده بالكثير من الحقائق المُهمة والمُمتعة والّتي لا تتناول المشاعر المُجرّدة مثل: الحب والعاطفة بشكل عموميّ، بل تتناول أيضًا الحقائق الأكثر دقة الّتي يمكن استقاؤها من الأرقام والإحصائيّات والأخبار اليوميّة. وهي محاولة يسعى من خلالها إلى أنْ ينفي دومًا أنّه شاعر حبّ، يقول: "كلما حاولت أن أكتب عن الحبّ فقط تتشنج يداي". وعلى الرغم من هذا، فإن قصائده عن الحبّ مكتوبة بصدقٍ مُدهش، وبمقاطعٍ لا يمكن نسيانها كتلك التي يقول فيها: "أعدك أنّني سأحبّك كما لو كان الشّيء الوحيد الّذي قمت بهِ بشكلٍ صحيح على الإطلاق." أو حين يقول: "إلى الفتاة التي تعمل في مقهى "ستاربكس" وتسكن آخر الشارع الذي أقطن فيه في طريق مرتفعات ديلمار، أُقسم أنّني لستُ مهووسًا بمطاردتكِ".

اقرأ/ي أيضًا: أوكتافيو باث.. مغامرة الشاعر

كما تُقدّم قصائد هيليوم لرودي فرانسيسكو، مجموعة مختلطة من المشاعر، من الحبّ إلى الرفض إلى الحديث عن العنصريّة والمقاومة والسّلمية.

قصيدته عن الإسلاموفوبيا

يتحدّث رودي في هذه القصيدة أو هذا "الترتيل الشفويّ" عن جرائم ضد السّود لم يتم التعامل معها على أنّها جرائم بمعزل عن سياقها المجتمعيّ. فيرى أنّ الكيْل بمكيالين في المجتمع الأمريكيّ أمر يجعل من المسلم مُتّهمًا، بالضرورة، بسبب هويته. على الرّغم من أن ذات المُجتمع يحاكم غير المسلم بجريمته في سياقه الاجتماعي العاديّ. رودي من خلال قصيدته يريد تبرئة "الدّين" بشكلٍ عام من التورّط في الجريمة، ويرى في الأبيض المُسلّح متهمًا كما يرى تمامًا في المُسلّح الأسود أو المسلم متهمًا، هو فقط يُدين الخطاب الرّسميّ من ناحية الجريمة الّتي يرتكبها مسلم. ويحاول انتقاد الإسلاموفوبيا من خلال الحقائق السّابقة على الجرائم، كلّ جرائم القتل بلا تمييز لإله صاحبها. يقول رودي: "في 17 حزيران (يونيو) 2013، دخل "ديلان روف"/ فصلاً أسبوعيًّا لدراسة الكتاب المُقدّس/ جلسَ وصلّى معهم قبل أن يسحب بندقيته ويقتلهم/ بعد الحادث اعتقل روف... بسلام/ عندما قَتَلَ "ديلان روف" تسعة أشخاص من السّود الأبرياء/ لم نُشكّك في إلهه/ لم نشكك في ولائه/ ارتكب الجريمة بمفرده/ عندما أطلق "آدم لانزا" النّار/ على فصلٍ دراسيّ ممتلئ/ بطلاب الصّفّ الأوّل/ بمدرسة ساندي هوك الابتدائية / لم نطلب منه مغادرة البلاد".

 تُقدّم قصائد هيليوم لرودي فرانسيسكو، مجموعة مختلطة من المشاعر، من الحبّ إلى الرفض إلى الحديث عن العنصريّة والمقاومة والسّلمية

ويستطرد في مقطعٍ آخرَ: "توقّف عن مشاهدة الـ "سي إن إن"/ توقف عن مشاركة البشريّة في النّفاق/ لا تحدّق في مسلم بالمطار/ يكفيه الانتظار/ توقّف عن جعل خوفك يقودك/ توقّف عن إدمان مشاهدة الزّعماء/ الّذين يدخّنون السّلام كالسيجار".

 

اقرأ/ي أيضًا:

باسكار شاكرابورتي.. شاعر يكتب الصمت

فوزي كريم.. ثلاثية نقدية