روتين الشقاء.. يومٌ من حياة صائدات السمك بالأيدي في مصر

روتين الشقاء.. يومٌ من حياة صائدات السمك بالأيدي في مصر

صائدات السمك بالأيدي في مصر (أحمد علي)

يبدأ يومهن في الساعات الأولى من الصباح، حيث تستعد الشمس للشروق بينما يستعددن لمغادرة منازلهن بحثًا عن لقمة العيش في مياه النيل، بلا قارب مجهز للصيد ولا شباك ولا حتى صنارة، فقط بأيديهن.

تنزل المرأة منهن للنيل بلا أي معدات صيد، تبقى في المياه لمدة قد تصل لخمس ساعات، تصطاد السمك باستخدام يديها فقط

نحن الآن في عام 2019، لكن الشقاء لا يعرف زمانًا. في ريف محافظتي كفر الشيخ والدقهلية في دلتا مصر، ما زالت هناك النساء يمتهن الصيد بالأيدي.

اقرأ/ي أيضًا: أمهات معيلات في مصر.. حرب بجبهات كثيرة

منذ الصغر​

عندما يبحث الإنسان عن عمل يتحصل منه على قوت يومه، فإنه عادة لا يبحث عن الراحة المطلقة، ولا الشقاء الأبدي، فقط يبحث عما يقدر على تحمل تعبه ويستطيع ممارسته من عمل. لكن هؤلاء النساء لم يخترن الشقاء، بل هو من اختارهن.

صائدات السمك بالأيدي في مصر

عادة ما يرثن هذه المهنة الصعبة عن أمهاتهن. تخرج كل واحدة منهن إلى عملها في الصباح الباكر فلا تعود إلا بعد غروب الشمس. فصول متعددة من المأساة يمررن بها يوميًا، دون كلل أو ملل، والبعض منهن يعمل منذ ما يزيد عن 30 عامًا، في صيد السمك بالأيدي.

نزلة الصيد الواحدة، قد تظل خمس ساعات؛ تبقى النساء في مياه النيل بلا أي معدات لازمة، يتتبعن حركة الأسماك في خفة، لصيدها باليد. وينتهي العمل ببيع ما تم اصطياده، بما يكفي بالكاد قوتًا بسيطًا لليوم والليلة.

موسم الشتاء

تنتشر في مصر المزارع السمكية التي تنتج يوميًا آلاف الأطنان من الأسماك، كما تتوفر أدوات الصيد الحديثة من قوارب وشباك وغيرها، لكن هذا يحتاج إلى المال الذي لا تملكه هؤلاء النساء، فرأسمالهن أكفهن التي اعتادت الإمساك بالأسماء حية.

صائدات السمك بالأيدي في مصر

عادة ما يزدهر عملهن في الشتاء، عندما ينخفض منسوب النيل وتسهل فرصة الحصول على الأسماك في أعماق منخفضة. لكن، يصاحب هذا الازدهار، ضرورة الصمود في المياه الباردة لساعات طويلة، دون أي وسيلة تقي أجسادهن.

مهنة قاتلة أحيانًا​

"أصعب موقف لما بنغطس، بتحسي إن نفسك بيروح وروحك هتطلع، تقومي طالعة تاني من المياه"، بهذه الكلمات وصفت إحدى العاملات بصيد السمك معاناتها عند ممارسة عملها، خاصةً عندما يضطرهن الأمر إلى الغطس بحثًا عن السمك. 

مع ارتفاع أعمار بعضهن التي قد تصل إلى 60 عامًا وأكثر، تصبح المهمة شاقة أكثر مما هي عليه في الأصل. تقول إحداهن، في فيديو نشرته منصة "الساحة": "ساعات نلاقي حنش، نتفجع ونطلع، وساعات نصرخ، وساعات روحنا تروح. وبنقاوم عشان نربي عيالنا".

مخاطر عديدة تتعرض لها العاملات في هذه المهنة الشاقة ليس آخرها ظهور ثعبان البحر والأسماك السامة التي قد يتسبب بعضها بالموت. لكن لا مفر من العمل مع ضيق ذات اليد.

صائدات السمك بالأيدي في مصر

المرأة المعيلة في مصر

بحسب الإحصاءات الرسمية، فإن نسبة النساء اللواتي يعلن أسرهن، تخطت 30%. وتعمل المرأة المصرية في كل شيء تقريبًا، وإن كانت لا تحظى بما يحظى به الرجل في كل شيء تقريبًا!

"بتبقى الدنيا بتشتي وإحنا في المياه ورجالتنا نايمين"، بهذه الكلمات تصف إحدى العاملات في صيد الأسماك بحثها عن لقمة العيش في مهنة قاسية، بينما ينام زوجها هادئ البال مطمئن المزاج في البيت.

على الطريق.. مسافر يتعجب وامرأة يأكلها الشقاء

بطبيعة الحال من لا يملك أدوات الصيد لا يملك محلًا ليبيع ما اصطاد، فبعد الانتهاء من مهمة الصيد، يقمن بجمع ما تحصلن عليه من أسماك في حجور جلابيبهن، ثم يخرجن بها إلى الطريق العام، بحثًا عن مشترٍ من المسافرين على الطريق.

صائدات السمك بالأيدي في مصر

رحلة البيع لا تخلو من الصعوبة، وتتنوع أشكالها بين التهكم والسخرية من قبل بعض المارة، وبين الوقوع ساعات أخرى طوال لكسب بعض الجنيهات. لا ميزان ولا أسعار محددة، فالأمر موقوف على ما يُجاد به عليهن!

ولا ينتهي يومهن على ذلك فقط. هناك الفصل الأخير من روتين الشقاء اليومي، وهو البحث عما يوصلهن للبيت. أكثر السائقين لا يقفون لهن بسبب ملابسهن المبتلة ورائحة السمك، لذا قد يضطررن للانتظار ساعات أخرى.

تعمل المرأة المصرية في كل شيء تقريبًا، فـ30% من نساء مصر يعلن أسرهن، لكنهن لا يحظين بما يحظى به الرجال في كل شيء تقريبًا!

وأخيرًا، هناك المنزل، فـ"الرجالة النايمين" عن العمل، يبقون نائمين حتى عن البيت، لذا على هؤلاء الصيادات عند العودة لمنازلهن، عمل آخر: ترتيب المنزل وإعداد الطعام لليوم التالي، والقيام على شؤون أبنائهن، قبل أن يخطفن سويعات للنوم انتقالًا ليوم آخر ومشقة أخرى.

 

اقرأ/ي أيضًا:

"ست بميت راجل".. بائعات على رصيف مصر

أم خليل القصّابة.. تتحدث عن "مهن القسوة"