روبين داريو.. حداثة لاتينية

روبين داريو.. حداثة لاتينية

روبين داريو

ولد الشاعر النيكاراغوي فيليكس روبين غارسيا سارمينتو المعروف عالميًا باسم روبين داريو، في منطقة ميتابا، أو ما يعرف بمدينة داريو حاليًا، التابعة لبلدية ماتاغالبا في الشرق، في الثامن عشر من كانون الثاني/يناير 1867. وهو ابن وحيد لزوجين منفصلين، عاش فترة طفولته في مدينة ليون حيث أشرف على رعايته إحدى قريبات أمه، تدعى برناردا سارمينتو، وزوجها فليكس راميريس، اللذين اعتبرهما داريو أبويه الحقيقين. 

في الثالثة عشرة من عمره، نشر روبين داريو أولى قصائده

جاء في سيرته الذاتية أنه تعلم القراءة في سن الثالثة، وكان الفضل في ذلك يعود إلى خالته برناردا، إذ كانت تجلسه في حضنها وتحثه على تمرير سبابته على الأحرف وتهجئتها. في الثالثة عشرة نشر أولى قصائده "الإيمان، الدمعة، الخداع" بيّنت بشكل جلي تأثره بأسلوب الشعر الفرنسي، نشرت عام 1879 في جريدة "الميزان"، بعد ذلك شارك في إعداد وتحرير عدة صحف ومجلات في مدينة ليون ولقب بالطفل الشاعر، كان يتمتع بذاكرة مذهلة، وخيال مبتكر وحضور مميز، لذلك فقد كان يتلقى دعوات لإلقاء قصائده في الاجتماعات والاحتفالات الرسمية.

اقرأ/ي أيضًا: "ظل الريح".. حكاية المدينة مدفونة في مقبرة كتب

شكلت الصحافة مصدر دخله الرئيسي والوحيد، وقد تحدث في سيرته الذاتية عن تجربته الأولى في عالم الصحافة، إذ جاء فيه "في تلك الفترة كانت تصدر في مدينة ليون جريدة سياسية باسم جريدة الحقيقة، وقد دعاني محرر الجريدة للمشاركة (آنذاك كنت في الرابعة عشرة من العمر تقريبًا)، وبالفعل كتبت عدة مقالات متأثرًا بأسلوب كاتب إكوادوري مخضرم ولامع يدعى خوان مونتالفو، كان لها صدى جيد، بل ممتاز في وسائل الإعلام ولدى النقاد، وبما أن توجه الجريدة كان معارضًا لنظام الحكم فقد كانت مقالاتي تصب كذلك في هذا الاتجاه، لذلك فقد أعلن النظام استنفاره العلني واتهمني بعدم المصداقية، ولم ينجن من غضب السلطات سوى تدخل طبيب ومعلم ليبرالي معطاء أعلن دعمه لي، وصرح بأنه من غير الممكن لشخص مثلي أن يتهم بالادعاء وعدم المصداقية لكوني معلمًا في مدرسة يديرها شخصيًا".

كما عمل مراسلًا لقناة "ناسيونال" في بوينوس آيريس الأرجنتينية، والتي كانت من أشهر القنوات التي بثت عبر أثير أمريكا اللاتينية في تلك الحقبة. وكان له مساهمة في تأسيس جريدة "لا إيبوكا" التي صدرت في سانتياغو التشيلية.

ظهر ميله نحو المجال الدبلوماسي في عمر صغيرة، حيث عين في سن التاسعة عشرة كأحد أعضاء الحاشية الرئاسية الخاصة للرئيس أدان كاريناس، الذي استمر حكمه بين عامي (1883-1887). 

في 1892، عين كعضو دائم في الوفد الدبلوماسي لبلاده في تشيلي. وفي تلك المرحلة كانت قد تكونت لديه رؤية واضحة حول ما هو مطروح على الصعيد الدبلوماسي إذ يقول: "العامل الرئيس في علم الدبلوماسية في بلد ما هو معرفة التحديات المختلفة والمناقضة لنظام الحكم، واختبار القوانين المحلية، والإلمام بالقناعات السائدة وقياسها بشكل تقريبي فهي تنذر بتوجه ذلك البلد. وحده الدبلوماسي المتمكن يمتلك العين الفاحصة والكاشفة التي تمكنه من التغلغل في عمق أسرار السياسة فيصبح قادرًا على تمييز الفعل الذي يهدد حاكمًا عادلًا وحكيمًا، كتلك المؤامرات التي تحاك بالشك والخداع".

العامل الرئيس في علم الدبلوماسية في بلد ما هو معرفة التحديات المختلفة والمناقضة لنظام الحكم، واختبار القوانين المحلية

هكذا استمر في مسيرته الدبلوماسية إذ شغل عدة مناصب في فرنسا والأرجنتين، بموازاة ذلك تابع إنتاجه الأدبي وقد انعكست تجاربه في المضمار الدبلوماسي على مؤلفاته مثل "الكولون" و"سوناتينا"، وكذلك في عمله المتميز "أزرق" (1888)، وقد صنفه النقاد كعمل مميز وفريد، شكّل مدخلاً لأدب أمريكا الإسبانية إلى الحداثة.

اقرأ/ي أيضًا: اهدأ قليلًا

قد أتى داريو على ذكر أهمية هذا العمل في مقدمة كتابه الصادر عام 1913 بعنوان "حكاية كتبي"، مشيرًا إلى أهميته في حركة التغير والحداثة التي تزعمها، وأنه عمل حمل بين طياته ثمرة شبابه إذ "جسد القصائد الأكثر ملامسة لتلك المشاعر الفطرية الندية، المحملة بالعاطفة والفن والحب لأجل الحب". وكان برأيه العمل الأدبي "الذي ابتدأ النهضة الأدبية التي كان من المفترض أن تحصل نظرًا لتوافر الظروف الملائمة".
 
يبدو جليًا في قصائده التي نظمت وفق أنماط عدة منها الرومانسية والرمزية والبرناسية (أو ما يعرف بمذهب الفن لأجل الفن وهي حركة ظهرت في القرن التاسع عشر أبرز كتابها الكاتب الفرنسي فيكتور هوغو). وجاء وصف داروين للحداثة على أنها "ليست سوى أشعار ونثريات كتبت باللغة الإسبانية غُربلت بغربال الشعر والنثر الفرنسي الجيد". 

ولا بد من ذكر تأثير داريو على شعراء عصره، إذ تميز بالاستقلالية والانفتاح على الثقافات المختلفة وزخرت قصصه بنبض الحياة والأمل، وبلا شك فقد أعاد توجيه الإنتاج الثقافي وعزز من مكانة الشعر الإسباني

الطبعة الأولى من كتاب "أزرق" صدرت في فالبارايسو-تشيلي، عن دار النشر "إكسيلسيور"، وقد تكلف بدفع نفقات الطباعة صديقا الشاعر المقربان إدواردو بويرير وإدواردو دي لا بارّا. ينقسم الكتاب إلى ثلاثة أجزاء، الجزء الأول يحتوي تسع قصص، والثاني يتألف من ست مقاطع نثرية يصف فيها مناطق طبيعية في تشيلي، أما الجزء الأخير فيحتوي على ست قصائد تحت عنوان "العام الملهم".

عندها كان قد بلغ الحادية والعشرين، وقد وصل إلى تشيلي بعد أن تلقى، بحسب ما ورد في سيرته الذاتية، في بلده الأم "أكبر صدمة عاطفية ممكن أن يتلقاها رجل عاشق". في تلك الحقبة كانت تشيلي في أوج الازدهار الاقتصادي بفضل ثرواتها المعدنية مما أدى إلى ظهور ميول أدبية راقية لدى الطبقة الغنية، بالإضافة إلى العقلية التجارية المنتجة.

بوديت: لم يفلح أحد في الكشف عن سحر بعض الكلمات في لغتنا كما فعل داريو

يصف فيديل كولوما (وهو مترجم وأستاذ في اللغة الإسبانية والفلسفة) داريو بأنه "الفنان الناقد، والناقد الفنان". بينما أشاد الكاتب والشاعر والسياسي المكسيكي هايمس توريس بوديت بأهمية صنيع الشاعر إذ قال: "يمكن القول إنه ومنذ عهد جونغورا (وهو شاعر وكاتب مسرحي إسباني تزعم حركة النهضة أو ما عرف بالجنغوريسمو في العصر الذهبي الإسباني)، لم يفلح أحد في الكشف عن سحر بعض الكلمات في لغتنا كما فعل داريو". وقد كان للشاعر المكسيكي مانويل ناهيرا، والشاعر الكوبي خوسيه مارتي، الأسبقية في طرق باب التجديد في أدب أمريكا اللاتينية منذ عام 1887، إذ حاولا تحرير الشعر من الشروط والقواعد التي قيدته وحددت شكله والتي لازمته منذ العهد الباروكي (أسلوب فني ظهر في منتصف القرن السابع عشر)، حيث حاكت بنية الجملة الخطوط العريضة لفنون النحت والرسم التي تميزت بالمبالغة والغرابة، وغلب عليها السجع الابتدائي أو الجناس واغتنت بالتشابيه. وبهذا فقد سار داريو في عمله أزرق على خطى معلميه حيث اعترف بتأثير أسلوبهما في شعره حيث كتب: "أود التوضيح إلى أنني في تلك الفترة أدركت على طريقتي الخاصة كيفية التحكم بأسلوبي الأدبي، وأن قدوتي في الشعر هم خوسيه مارتي وباول غراوساك وسانتياغو ايسترادا". 

اقرأ/ي أيضًا: إدواردو غاليانو.. شهرزاد الجنوب

في قصصه اتبع داريو طريقة مميزة في السرد، أشبه بالأسلوب الفرنسي أو اللندني الذي يمتاز بالإيجاز والغنى بالتشابيه والصور الحسية، من أشهر الكتاب الذين اتبعوا هذا الأسلوب الكاتب الفرنسي كاتولي مينديس، وهذا ما ساهم في غلبة السمة الشعرية على قصصه. بالإضافة إلى الحس الموسيقي العميق الذي يتجلى في التنسيق القائم على الوحدات القصيرة والموجزة، الأشبه بالمقاطع الشعرية المتناظرة والعامودية والتي يغلب عليها أسلوب الخطابة. كما تميز أسلوبه القصصي بالقدرة على التسلل إلى المتلقي، غناه بالمشاهد الطبيعية وتوظيف جلي لعنصر التشويق وطرح وجهات نظر متعددة ونهايات غير متوقعة.

أما كتابه "بروساس بروفاناس"، الصادر في بوينوس آيريس-الأرجنتين عام 1896، فتابع من خلاله منهجه الحداثي، إذ زخر بمصطلحات جديدة أحياها واستخدمها بشكل مختلف تمامًا، فنرى بداية في العنوان اختياره لكلمة "بروساس"، وهي كلمة مستخدمة في العصور الوسطى أُطلقت آنذاك على القصائد المقروءة باللغة اللاتينية لتكريم القديسين، وباختياره لكلمة "بروفاناس" وهي بمعنى غير الطاهر أو النجس، ليصبح العنوان "قصائد دنسة" بدلًا من "تراتيل دنسة"، وبذلك يلغي بشكل مقصود الشرط اللازم والمطلوب لفعل الترتيل وهو الطهارة، أي يزيل عنها الصفة الدينية ويستردها من المعنى النمطي ويطلقها حرة في قصائده، مسلطًا الضوء بذلك على التقاليد الدينية الكاثوليكية وبنفس الوقت يظهر نوعًا من النفور منها. 

ومما لا شك فيه هو احتواء هذا العمل الأدبي الفذ على تناقضات حادة، لأنه يبدو من جهة كطريقة الأرستقراطي في الفرار من الواقع الاجتماعي، الذي لا يعجبه، ومن جهة أخرى فهو يكشف عن وعي اجتماعي عميق ورغبة ملحة في التغير تعكس ضميرًا صاح ومسؤول، إذ يدحض على امتداد صفحات الكتاب جميع اليقينيات ويضعها موضع التساؤل والشك، من ضمن القصائد الواردة في العمل: من الريف، وطن الشمس، لها هي ذاتها، أغنية الكرنفال، لي، سوناتينا (أو سوناتا وهي معزوفة موسيقية صادرة عن آلة واحدة فقط)".


مقطع من قصيدة "سوناتينا"

حزينة هي الأميرة.. ما بها يا ترى؟
تتنهد من شفاه وردية 
نسيت الضحكة، فقدت اللون
في كرسيّها الذهبي تجلس شاحبة اللون 
أخرس وتر ضحكتها السحرية
منسية تذبل الورود في كأسها 
أتراها تفكر بأمير غلوكوندا أو الصين؟ 
أو بذاك الذي اعترض عربتها الأرجنتينية! 
تتخيل بريق أعينهم
أو ربما تفكر بملك جزر الزهور العطرة
أو بذاك المتباهي بامتلاكه اللؤلؤ! 
الأميرة المسكينة ذات الشفاه الوردية 
تتمنى أن تكون سنونو، أن تكون فراشة
لتحلق بجناحيها الخفيفتين في السماء 
وتصل إلى الشمس على متن شعاع منكسر
تريد إلقاء التحية على الزنابق الصيفية
أو التلاشي في الرياح القادمة مع زلزال البحر
لم تعد تريد القصر، ولا عجلة الغزل الفضية 
لم تعد تريد الطير المسحور ولا المهرج القرمزي
ولا مراقبة سرب البجع في بحيرة آزور
حزينة هي الأزهار من أجلها 
ياسمين الشرق ولوتس الشمال 
أضاليا الغرب وجوري الجنوب


قصة أغوافويرتي

من منزل قريب مُسيّج بسياج مستقيم، يصدر صوت طرق ورنين معدني باستمرار. بين جدرانه السوداء الملطخة بهباب الفحم، يعمل عدد من الرجال بالحدادة، يقوم أحدهم بتحريك المنفاخ فيصدر هواءً قويًا ويزيد من توهج الجمر، ويطلق شرارًا مصحوبًا بزوبعة من الدخان، لتعلو وتتقد ألسنة اللهب المزرقة. وعلى لهيب النار المنبعث من الألواح الحديدية المحمرة انعكست وجوه العمال على شكل خيال مهتز ومتمايل.

على طاولة حديدية ملحمة الزوايا، ثبتت ثلاث سنادين بشكل محكم لتتحمل عزم الرجال الذين يتناوبون على طرق الحديد الحامي مسببين تطاير الشرار كمطر أحمر اللون. كانوا يلبسون مآزر طويلة من الجلد فوق قمصان من الصوف مفتوحة عند العنق بشكل سمح بإظهار أعناقهم الغليظة المعروقة وشعور الصدر، ومن الأكمام المطوية ظهرت سواعدهم الضخمة الشبيهة بتلك التي يملكها أنتانيوس أو حوراس*، والتي تبدو كالصخور المصقولة واللامعة المزروعة في مجرى الجداول.

في ذلك الكهف المعتم ومع توهج الجمر في الموقد انعكس خيال الرجال فبدوا كعمالقة السيكلوب* صانعي أسلحة الآلهة.

وعلى مقربة منهم سمحت نافذة صغيرة بتسلل شعاع رفيع للشمس هناك عند مدخل الكهف، جلست فتاة تحيط بها العتمة تأكل العنب، وفي عمق العتمة الملطخة بهباب الفحم عكس كتفيها العاريين الناعمين ضوءًا بلون الزنبق النقي مع لمسة ذهبية طفيفة.


هوامش

  • سوناتينا أو سوناتا وهي معزوفة موسيقية تنجز على آلة واحدة أو آلتين. مشتقة من اللغة الإيطالية (سونار) وتعني إصدار الصوت.
  • أغوافويرتي مصطلح يطلق على عملية الخراطة أو التنميش.
  • أنتانيوس وهو عملاق في الميثيولوجيا الإغريقية وهو حوراس في الأمازيغية بمعنى المحارب. 
  • سيكلوب: عملاق من جنس الجبابرة، أطلق في المثيولوجيا الإغريقية على العمال الذين يصنعون أسلحة الآلهة لقوتهم.

 

اقرأ/ي أيضًا:

إيزابيل الليندي: الحياة بلا تخطيط

بيازولا: ليس بالضرورة أن يكون التانغو بكّاء