رواية

رواية "هيا نشتر شاعرًا".. مرثية عصر الاستهلاك

الكاتب البرتغالي أفونسو كروش

أذاعت شبكة "بي بي سي" الإخبارية تقريرًا قبل فترة حول توفير البنوك خدمة جديدةً لِعمَلائها، وهي استخدام نبضات القلب عوضًا عن الأرقام السرية لبطاقاتهم الإتمانية، وهذا الخبر إنْ كان يبدو في الظاهر تطورًا يُمكّنُ المرءَ في حماية الحسابات المصرفية من القرصنة، يؤشرُ في الوقت نفسه إلى تبديل المفاهيم والمذاق البشري، إذ لم يَعُدْ القلبُ كما كان يشكو منه قيس بن ملوح لأنَّه لا ينسى ليلى، ولا موطن أسرار حميمة كما وصفه الشاعر أبي نواس. إنَّما أصبحَ مُلتبسًا بقيم السوق، ودقاتهُ انعكاس لارتفاع أو خفض مؤشرات البورصة، وبذلك ليس هناك ما يشغل الإنسان المُعاصر أكثر من القضايا المادية، واستغرق من قمة رأسه إلى أخمص قدميه في هموم مادية واندثرتِ القيم الجمالية في حياته وتخشبت مشاعره تمامًا.

لم يَعُدْ القلبُ كما كان يشكو منه قيس بن ملوح، ولا موطن أسرار حميمة كما لدى أبي نواس.

هذا ما سيكون موضوعًا أساسيًا لرواية "هيا نشتر شاعرًا" (دار مسكلياني، 2017) للكاتب البرتُغالي أفونسو كروش.

اقرأ/ي أيضًا: أفونسو كروش: لا يمكن ترك الشعر أبدًا

يُعالجُ الكاتبُ تهميش الفنون والاستهانة بالفنانين والشعراء بنفس ساخر، كون السخرية ملجأً أخيرًا بالنسبة على حد تعبير ميلان كونديرا، ما يلاحظ في هذا العمل هو استخدام الأرقام لتحديد الشخصيات بدلًا من الأسماء، وذلك يذكرك مرة أخرى بكوجيتو السوق الرأسمالي "قلْ كم تمتلك أقل لك من أنت".

إلى جانب ذلك تغزو العقلية النفعية كل مرافق الحياة، ما يُعمق أكثر الطابع الأناني لسلوك الفرد، كما تتفرغ اللغة من بعدها الجمالي وتفقدُ زخمها الإستعاري، وتقترب من الآداتية، لذا فإن أفونسو كروش تعمدَ من تجريد عنصر اللغة من نفحات شعرية إلا في مقاطع وجمل يلفظها الشاعر الذي بدلًا من أن يكونَ وارث الكهنة، كما شاع في بداية عصر النهضة، فالشاعرُ ليس أكثر من ديكور ومُرفهٍ لابنة صاحب الشركة.

متجر الفن

يبدأُ العمل بما تحكيه الفتاةُ عن وضع أسرتها، وإستهلاك المواد الغذائية يوميًا، وما تكلفهم نسبة المواد من الأموال، إذ يوكل دور الراوي إلى الفتاة المراهقة مع حركة السرد الأولى، وتصف شخصية أخيها بالغبي، مشيرةً إلى الأغراض التي يستخدمها في حياته اليومية، والجمل التي يعبرُ من خلالها عن الشعور بالملل أو عدم فهمه لما يسمعهُ من الأخت، مثل "لا تكسري محفظتي" و"ارفعي لي في نسبة الضرائب"، فضلًا عن ذلك تذكر بأنَّ تسعين بالمئة من الزملاء وأربع وسعبين بالمئة من الأسرة، يتفقون على أن الأخ بليد. ومن ثُم تتحول الساردة إلى الحديث عن مقترحها ومساندة الجميع لما أبدته من الرغبة بأن يكون لديها شاعر. من جانبه يسألُ الوالدُ عن إمكانية اختيار رسام. فيأتيه الردُ من الأم معترضة وذلك لأن الرسامين يقومون بكثير من الأوساخ، مستشهدةً بما تعانيه السيدة 5638.2 من استغراق ثلاث إلى أربع ساعات لتنظيف مخلفات الألوان والعلب التي يتسخدمها الرسام المقيم في بيتها.

هيّا نشترِ شاعراً

يقع الاختيارُ أخيرًا على الشاعر، وتصاحبُ الفتاة والدها إلى متجر يضم شعراء بأشكال والوان مختلفة، حيثُ تسردُ جانبًا مما تراه من سحنة الشعراء وملبسهم، يعجبها شاعر كان أخنف له انحناءة ممدودة ويمسك كتابًا تحت إبطه ولاتوجد علامة الماركات على ثوبه، يستفسرُ والد الفتاة من صاحب المحل عن الشاعر الأخنف وما يأكله. يتأكدُ بأن وجود الشاعر لا يكلفه كثيرًا، خصوصًا إذا صح ما قاله صاحب المحل بأنه من الفصيل الذي ينسى الأكل بعد فترةِ، ويبدو أحيانًا كأنه مستغرق في عملية حسابية، كل ما يلزمه هو دفتر وأقلام.

ويستقرُ الشاعرُ في البيتِ يكون مكانه تحت الدرج، وما كان من الأخ إلا أن يسخر من المشهد وانشغال الفتاة بما لا ينفعها إقتصاديًا، هنا يدركُ المتلقي الفرق بين وجود اللغتين، الأولى تصفُ الأشياء من حيث التركيبة والحجم والأخرى، فيما تذكرُ الفتاة طاولة بأنها زجاجية مدورة وقطرها سبعة وثلاثون سنتيمترًا يكتفي الشاعرُ بقوله إنها جميلة.

يمضي السردُ في تتبعِ عما يعنيه مفهوم الشاعر بين طبقة مخملية إذ يعبر ضيوف الأسرة عن آرائهم وانطباعاتهم بشأن الشعر والشعراء.

الأكثر من ذلك يتضحُ أن نمط حياة الشاعر لايتغيرُ نتيجة لمتطلبات بيئته الجديدة، إذ لايتنازل عن لغته المجازية فينكبُ على قراءة كتبه ويعملُ ما يشبه الفأل بحثًا عن سؤال معين، يتصفح مؤلفات فلوبير ويمر وقت يصارع من أجل بلورة عبارة مناسبة، بالمقابل تظهر بوادر التحول في حياة المراهقة وتدور عما هو نافع دون أن يكون وراءه غاية ربحية، وتعزف عن متابعة البرامج التلفزيونية، غير أن الأمر لا يتغير بالنسبة لوالدها، ويظلُ متمسكًا بمنطق الربح والخسارة، وهذا ما تكشفهُ هواجس الابنة حول إصابة الشاعر بنزلة البرد، ما يعني ذلك زيادة في مصاريف التأمين الصحي.

ما يهمُ في هذا السياق هو ظهور وعي جديد تُمثله المراهقة عندما تناقش مع صديقاتها قيمة الثقافة غير الاستهلاكية، إضافة إلى ذلك فإنَّ شخصية الأخ أيضًا لا يفلح في نيل إعجاب الفتاة التي يعشقها إلا بعدما يخاطبها بكلمات يتعلمها من الشاعر، وما يضمرُ هذا الحدثُ أن المشاعر لها لغة مغايرة للغة الأرقام. والأمُ راحت تتأثر بأسلوب الشاعر حين تخبرها الابنة عن ظهور علامات الكبر على محياها تعقبُ على كلامها بعبارة تنضحُ بالعاطفة والصورة "التجاعيد هي ندوب العواطفِ تجتاحنا في الحياة".

مَصيرُ الشاعر

مع أنَّ وجود الشاعر قد أدى إلى تغير طفيف في استخدام اللغة لدى الأم وتفهم أفراد الأسرة وجود دلالات متعددة للكلمة، ما يعني خروج الكلمات من حالتها المتختشبة التي فرضها سوق النقد، لكن الخسائر المادية التي منيت بها تجارة رب الأسرة قد وضعت نهاية لأيام الشاعر في بيئته الجديدة، لذا يقرر والد الفتاة إقصاء الشاعر عن البيت.

تخشب مذاق الإنسان في العصر الرأسمالي إذ تحولت الفنون إلى وسيلة للهو والمساهمة في ترويج السلع والمنتجات.

تتألمُ الفتاةُ لهذا القرار، ومما يضاعفُ من خيبتها أنَّ لا أحد غيرها يتضامن مع الشاعر. هكذا ينتهي الأمر بالشاعر أن يقيم في الحديقة، لكن لا تنقطعُ الفتاة عن زيارة شاعرها.

اقرأ/ي أيضًا: تزفيتان تودورف.. صوت متفرد في زمن "البرابرة"

يُذكرُ أنه باستثناء ما ينطق به الشاعر فإنَّ الجمل والملفوظات الواردة في تضاعيف هذا العمل تعكسُ طبيعة الحياة الخالية من المشاعر والعواطف الإنسانية، ويروم الكاتبُ من خلال توظيف اللغة المجردة تخشب مذاق الإنسان في العصر الرأسمالي إذ تحولت الفنون إلى وسيلة للهو والمساهمة في ترويج السلع والمنتجات.

وفّق الكاتبَ في اختيار شخصية الفتاة المراهقة لاندماجها مع عالم الشاعر، باعتبارها رمزًا لجيل قادم يدرك الحاجة لبلورة فهم جديد لرسالة الفنون.

 

اقرأ/ي أيضًا:

"آخر الشهود": لن يكبر أطفال الحرب

أليف شافاك: هذا هو بطلي