رواية

رواية "نجوم أريحا".. الحياة الجميلة بين مذبحتين

رواية "نجوم أريحا"

تصر لوسي الأرمنية العجوز على إبلاغ ليانة بدر الطفلة الفلسطينية بأن الأرمن تعرضوا للذبح. هو بلاغ وتحذير. لكن الطفلة لا تفهم فحواه ومعناه وسببه. تحاول صرفها عن تكرار هذا التحذير بكل الوسائل التي تملكها، لكن العجوز تصر على التحذير رغم أن الطفلة لا تجد سببًا وجيهًا يدعوها للتفكير في هذا الأمر.

هل يمكن الظن أن تعريف حياة الروائية الفلسطينية بالمذبحة مبالغة؟ الأرجح أن لا. إلا إذا كنا نعرف المذبحة بوصفها قصة المذبوحين، لا قصص الناجين

مذبحة؟ حسنًا، لوسي هي امرأة عجوز ولا بد أن المذبحة جرت حين كانت في ريعان شبابها. ربما كانت قد أغرمت من قبل، وعاشت حياة هادئة لا يعكرها إلا مزاجها الخاص. وجاءت المذبحة لتنهي تلك الحياة وتقصيها إلى الذاكرة، لتبدأ بعدها رحلة من العيش القلق الذي لا يمكن اعتباره على أي وجه من الوجوه حياة.

اقرأ/ي أيضًا: عدنية شبلي في روايتها "تفصيل ثانوي".. الحكاية من هوامشها

ليانة بدر ولدت في المذبحة. المذبحة بالنسبة لها صنو الحياة. ما الذي سيتغير؟ مذبحة إضافية؟ حسنا، يمكننا بعد انتهائها البكاء على من قضوا ذبحًا أو رميًا بالرصاص، واستكمال حياتنا على النحو الذي كانته بين مذبحتين.

هل يمكن الظن أن تعريف حياة الروائية الفلسطينية بالمذبحة مبالغة؟ الأرجح أن لا. إلا إذا كنا نعرف المذبحة بوصفها قصة المذبوحين، لا قصص الناجين. المذبوحون ذُبحوا وتركوا آلامهم للأحياء ينوؤن تحتها بين المخيمات والبلاد التي قضي عليهم أن يقيموا فيها ردحًا قبل أن تحل المذبحة الجديدة والرحيل الجديد. الناجون هم من عاشوا هذه الحياة. ليس ثمة فيهم من يمكن وصف حياته بالهادئة والرخية، والأهم بالمستقرة. تمر "نجوم أريحا" في سردها على فندق يضم فلسطينيين وناشطين من شتى أنحاء العالم ينتظرون "سفينة العودة" في فندق يوناني، في انتظار سفينة قد لا تأتي، وإن أتت قد يقوم الإسرائيليون بقصفها، أو تفجيرها. ولو حدث وأكملت مسيرتها، فإنها ستثبت مرساتها على شاطئ البلاد، التي منعت من أن تتطور أو تتقدم أو تختبر الحياة بقوة الاحتلال، وتاليا ما زالت تشبه نفسها كما اختبرتها ليانة طفلة وعاشت مذبحتها بوصفها حياة.

لا تلبث ليانة أن تدقق في التغييرات التي حصلت منذ طفولتها في أريحا، ثمة أمور كثيرة تبدلت، لكن العلاقات بين الناس بقيت على النحو الذي تعرفه. حين تدخل إلى هذه المدينة بعد سنوات من هجرانها، ستجد تعديلات طرأت على أمكنتك ومطارحك، لكنها تعديلات تشبه أعمال الطبيعة، هذه الشجرة كبرت قليلا لكنها ما زالت هي نفسها، وهذه المدرسة اتسعت لكنها ما زالت تملك الروح نفسها. الحياة في هذه المدينة مستقرة على نحو ما. تتناقص منها بعض الحيوات كل حين، وتولد فيها حيوات جديدة تشبه التي مضت كثيرا، بل كثيرا جدا.

إن حياتنا التي تشبه العيش في فندق، هي حياة. ونحن كائنات جديرة بأن تُحب، وتحسن أن تحب

طيب، هل هو العيش في المذبحة؟ في الغيتو؟ أي غيتو وأي مذبحة؟ كل سرد لأحداث "نجوم أريحا" يحيلك إلى كليشيهات لا تقول الرواية أي منها. هي قصة حياة. حياة على حد النطع، لكنها حياة. بدليل أن التي عاشتها ترويها لنا. لن تتمالك نفسك وأنت تقرأ، وستجد نفسك مجبرًا على الوقوع في غرام هذه الطفلة "الشقية"، وتنسى أن تزفر أنفاسًا حارة غاضبة اعتراضًا على الاحتلال وممارساته. منذ اللحظة الأولى تقول لك ليانة إن حياتنا التي تشبه العيش في فندق، هي حياة. ونحن كائنات جديرة بأن تُحب، وتحسن أن تحب. صورتنا كمناضلين هي صورة زائفة. نحن نناضل بوصف النضال عمل يومي، مثله مثل حراثة الحقل، أو تدريس التلاميذ. لم تترك لنا هذه الدنيا خيارًا آخر. ونريد أن نعيشها بكل حرارتها وألمها ومتعها الصغيرة.

اقرأ/ي أيضًا: عن الأدب والحرب

لم يتسن لي أن أقرأ هذه الرواية يوم كانت متوافرة بين يدي في تسعينيات القرن الماضي. لو قرأتها يومها لربما كنت كتبت عنها ما يخالف ما أكتبه اليوم. كنت يومها لا أرى الفلسطينيين وأكتفي برؤية عذاباتهم. وكنت أظلمهم كما يظلمهم كل المتضامنين معهم من غير قصد. اليوم، وبعد رحلة عذاب طويلة، عرفت معنى أن تكون فلسطينيًا، وأن تعيش حياتك في صالة انتظار. لكنني أجرؤ على القول إن هذه حياتي وأحبها. وأنني على النحو نفسه أحب الفلسطينيين.

 

اقرأ/ي أيضًا:

كتاب "يوميات الألم والغضب".. كاميرا جوّالة توثّق للتاريخ والأحاسيس

قذارة، قمامة، نفايات، أدب!