رواية

رواية "غرفة رقم 304".. في أن الثورة شأن ورثة متخففين

غلاف الرواية

ما الذي يمنع خمسينيًا من الانضمام إلى ثورة؟ في ظني أن ما يمنعه هو شعوره بأن أي تغيير عام في أحوال البلاد سيستنزف طاقته مجددًا في محاولة التأقلم معه. هو الذي استنزف تمامًا ليصل إلى ما وصل إليه. ليس لأنه يفخر بما وصل إليه، بل لأنه يعتبر نفسه محظوظًا لأنه نجا من أهوال البحث عن استقرار. استقرار ليس مريحًا ورغدًا، لكنه يعرف أن الغد لن يميته جوعًا أو يقتله على قارعة طريق، أو يتركه هائمًا على وجهه من دون وجهة أو مستقر. مغالبة أهوال العيش في أي مكان من العالم، وليس في بلادنا الملعونة بألف لعنة وشيطان فحسب، تحتاج صبرًا كبيرًا وجهودًا مضنية، ويغالب المرء وهو يصارعها شعورًا بالعجز والخوف الدائمين. العجز من الرسو السريع على استقرار مريح ومرفه، والخوف من خسارة القليل الذي حقّقه المرء خلال زمن مغالبته والذي يأمل بأن يتراكم ويتكاثر، فيعفيه من هذا الخوف والعجز على حد سواء.

مغالبة أهوال العيش في أي مكان من العالم، وليس في بلادنا الملعونة بألف لعنة وشيطان فحسب، تحتاج صبرًا كبيرًا وجهودًا مضنية

الثورات هي شأن متخففين. ليست ثورة بروليتاريا ليس بوسعها أن تخسر غير قيودها، على ما يقول ماركس، وليست ثورة من يملكون ما يخشون خسارته على حد تعبير كيميل، وهي بالطبع ليست ثورة من يعيشون في الوفرة على ما لاحظت حنة أرندت في قراءتها لمسار الثورة الأمريكية. هي ثورة متخففين لم تثقلهم مسارات العيش بعد. وما فتئوا يعيشون في الأمل، في التوقع، ويخشون هذين التوقع والأمل أشد الخشية. إنها على الأرجح شأن ورثة. شأن هؤلاء الذين يدركون أنهم يملكون قدرًا من الاستقرار يستطيعون الركون إليه إذا ما فشلت ثورتهم، وعلى الأرجح فإنهم حين يقومون بثورتهم لا يدركون حقًا متى تنجح ومتى تفشل.

اقرأ/ي أيضًا: رواية "ملتقى البحرين".. المُتخيَّل الملموس

هذا على الأقل ما يمكن ملاحظته بوضوح عند قراءة رواية عمرو عزت "غرفة 304: كيف اختبأت من أبي العزيز 35 عامًا" (دار الشروق وحازت مؤخرًا على المركز الثاني في جائزة يحيى حقي للرواية 2021) التي تملك كل مقومات السيرة الشخصية، لكنها في نهاية الأمر تملك بداية ومتنًا وخاتمة. أي أنها تستقر في نهايتها كمياه ركدت بعد فوران.

عمرو عزت الذي كان أحد أبرز ناشطي الثورة المصرية، يروي قصته مع والده وعائلته قبل الثورة المصرية وبعدها وخلالها. يعرج في فصول هذه السيرة المنتقاة على التحولات التي مر بها منذ مطلع شبابه حتى تاريخ استقلاله عن أهله وإقامته في سكن خاص به، مرورًا باتصاله بحركة الأخوان المسلمين فالتنظيمات اليسارية المصرية، وصولًا لمشاركته في الثورة المصرية التي أطاحت بحسني مبارك، وما تلاها من تظاهرات واضطرابات. وفي كل هذه التحولات لم ينجح الراوي في تفكيك سلطة أبيه. والأرجح أنه في قرارة نفسه لم يكن يريد تفكيك هذه السلطة التي كانت وما زالت تؤمن له حماية من الآتي المجهول، ويستطيع الركون إليها إذا ما فشلت مساعيه في الاستقلال عنها.

عمرو عزت الذي كان منظورًا ومعاينًا لكل مهتم بالشأن المصري في السنوات الأخيرة، كان شبه مختف عن أنظار والده ومداركه، أو هكذا كان يحسب نفسه. وكان يحرص طوال وقت انشغاله بالشأن المصري العام، على إبقاء هذا الاهتمام الصاخب كله خارج المنزل الذي يقيم فيه مع أهله في إمبابة. وأغلب الظن أنه في سعيه للتخفي كان لا يريد المغامرة في مواجهة لا قبل له بها ولا قدرة له عليها. فالناشط الذي لم يكن يخشى عسف النظام وقدرته على البطش، كان يؤجل أمر المواجهة مع والده مرارًا وتكرارًا إلى اللحظة التي يحدس فيها أن هذه المواجهة قابلة للتحول إلى مباركة كاملة. كان يريد أن يقدم لوالده نصرًا كاملًا قبل أن يواجهه بحقيقة ما يفعله. وهو ما حصل على كل حال على وجه من الوجوه.

قد تكون علاقة عمرو عزت بوالده استثنائية، وقد يكون والده أصلًا من قماشة نادرة، وهذا مرجح، خصوصًا إذا ما أضفنا ثنايا هذه الرواية إلى ما تصرح به مجموعة أخيه محمود الشعرية "عن الكائنات النظيفة" التي تصرح بلا لبس أن "أقسى ما يمكن تحمله في البنوة، أن تعيش في بيت مع أب أقرب ما يكون لـ روبرت دي نيرو: شجاع شهم قوي نبيل جذاب مغامر وحنون ومغناطيس بشري، ستظل طوال عمرك تتأمل وجهك الذي يشبهه في المرآة، فتكتشف بوضوح القطعة الناقصة التي لم ترممها جيناته في روحك فطفت على وجهك. تحسد الآخرين على أب قابل للكسر، قابل للتجزئة".

لكن هذه التفاصيل، على أهميتها، لا تجعل هذه السيرة استثنائية، رغم أنها تساعد في استواء السيرة بوصفها سيرة ثائر نموذجي.

تبدو الثورة من أعمال الأبناء في اللحظة التي يتصلون فيها بالاجتماع الواسع المتحدر من أصلاب وأرحام لا تحصى ما يسمح لهم جميعًا بالخروج على البنوة والنسب والرحم

المقصود بهذه النمذجة أن المرء يتموضع في موقع الثائر في اللحظة التي يكون فيها في طور التكون على المستويات جميعًا، عاطفيًا وفكريًا واقتصاديًا وسياسيًا. ورغم أن المرء في كل مرحلة من مراحل التكوين هذه يجد له أساتذة وقادة إلا أن هؤلاء غالبًا ما يتصفون بصفة المحترفين الثوريين. على هذا تبدو الثورة من أعمال الأبناء في اللحظة التي يتصلون فيها بالاجتماع الواسع المتحدر من أصلاب وأرحام لا تحصى ما يسمح لهم جميعًا بالخروج على البنوة والنسب والرحم، والادعاء بأنهم يحوزون صفة المواطن في دولة. لكنهم حين يستقرون على نصر أو هزيمة أو على وضع هيولي لا يمكن وصفه بالنصر ولا بالهزيمة، فإنهم في هذه اللحظة يعودون إلى أهلهم، مثلهم مثل الشهداء والمعتقلين.

اقرأ/ي أيضًا: النّص وما بعده: العوالم المفتوحة على الاحتمالات

عمرو عزت، يشارك في ثورة تؤدي غرضها بالكامل، وهو ابن مستتر لأبيه وأمه. لكنه حين ينتصر يعود إلى كنف العائلة. ذلك أن هذه العودة هي الثابت والأصيل وكل ما يخالفها ويخالطها ليس إلا عرضًا موقوتًا ينقضي باكتساب الخبرة أو باختبار المحن. 

 

اقرأ/ي أيضًا:

كتاب "لحظة تاريخ" لمحمد المنسي قنديل.. الزمن العربي في ثلاثين حكاية

رواية "المطر الأصفر".. لا يكون المرء ما لم يُر