رواية

رواية "عناق عند جسر بروكلين" لعز الدين شكري فشير.. القصص التي سُميت رواية

الكاتب عز الدين شكري فشير

بداية لم أشعر أن "عناق عند جسر بروكلين" (صدرت طبعتها الأولى عام 2011) لعز الدين شكري فشير هو رواية. أرى إنها قصص في رواية يربط بينها موضوع وثيمة مشتركة وهي ثيمة الضياع، الفشل في تحقيق الحلم الأمريكي، والصراع بين الشرق والغرب.

تتعدد شخصيات العمل والتي يجمع بينها الثيمة السابقة الذكر، حيث أعطى الكاتب المساحة لشخصيات عمله للمكاشفة مع النفس. وهو جانب قوي في العمل؛ فكل الشخصيات رئيسية ولها حضورها المتكافئ.

تركز رواية "عناق عند جسر بروكلين" على أشخاص فشلوا بتحقيق الانسجام مع المجتمع الأمريكي

كما كان هناك تنوع في أزمنة السرد وهو ما أضاف تنوعًا إلى العمل، والكاتب أخرج عمله من كلاسيكية السرد؛ فبعض الشخصيات كانت تروي على لسانها، وفِي شخصيات أخرى تناول الكاتب هذا الجانب.

اقرأ/ي أيضًا: مكتبة زينب عساف

بالمجمل لغتها سهلة وسلسة رغم غياب الجماليات فيها؛ فلم تكن بها تلك الجمالية التي أوقفتني عندها كقارئة ولَم تستوقفني عبارات كثيرة تحفزني على التأمل إلا ما ندر.

النهايات المفتوحة نقطة تحسب للكاتب، فنهايات الفصول والقصص التي طرحها لشخصياته ظلت نهايتها معلقة وهو ما أعطى للقارئ الحرية في أن يتبحر ويخلق النهايات كما يراها. وهذا برأيي احترام لعقل القارئ وعدم تلقينه كل شيء.

الفصل الأخير في العمل كان أفضل الفصول. برأيي إنه الفصل الذي اكتملت فيه الحبكة وتصاعدت. فهو كان الفلك الذي بنيت حوله أحداث العمل وشخوصه. فلولا فكرة أن جميع الشخصيات كانت مدعوة لحفل عيد ميلاد سلمى، لما ظهرت وحضرت الفصول الأخرى بشخصياتها وتفاصيل حياتها. الفصل الأخير كان جوهر العمل، وبقية الفصول تشابكت معه ليخرج بشكله النهائي.

كان هناك تسارع في السرد في الفصل الأخير وهو النوع الذي يروقني كقارئة، شعرت نفسي في ماراثون وأنا أقرأ لأعرف ما سينتهي له الأمر. وأيضًا في الفصل الأخير تركت النهاية مفتوحة؛ وهذا أيضًا يحسب للكاتب.

ومن الفصول التي يجب إنصافها أيضا الفصل الذي يتناول علاقة لقمان بماريك، والذي يلخص علاقة الشرق بالغرب، والتي مهما التقوا، إلا أن هناك مناطق لا يتقاطعون فيها، ويبقى الشرق شرقًا والغرب غربًا.

من جهة أخرى، هناك جوانب لم تعجبني في العمل:

أولاً: كان العمل مبتورًا، بمعنى أن كل فصل كان قصة لوحده رغم وجود ثيمة مشتركة بين جميع الفصول كما ذكرت سابقًا. وأقصد بالبتر هنا، أنه عند الانتهاء من فصل، لا يعود هناك من ذكر له وللشخصيات فيه في بقية العمل، حيث لا يوجد ارتباط وتشابك بين الفصول، وهذا ما يعزز وجهة نظري باعتباره قصص وليس رواية.

ثانيًا: الطابع السلبي والفشل الذي غلف أحداث العمل وحياة شخوصه. فكل الأمثلة التي طرحها الكاتب هي أمثلة لأشخاص فشلوا في الانسجام في المجتمع الأمريكي، ولَم يذكر مثالًا واحدًا لأشخاص نجحوا في هذا الانسجام والاندماج، حيث إن الواقع فيه النموذجان، لكنه ركز على الجانب الذي فشل وجعله مصير كل شخصيات عمله، وهذا لا أراه يعكس الواقع لأن هناك من انسجم ومن يعيش حياة جيدة في مجتمع الاغتراب.

ثالثًا: المبالغة في تعزيز دور الضحية، لا سيما في شخصية العمل رباب، والتي كانت شخصية مستفزة جدًا وتمثل دور الضحية التي تكون هدفًا لمؤامرات أكبر منها (وهن ما وجدته كليشيه يبعث على الضجر بفكرته)؛ فالموقف الذي تعرضت له في المطار من إقلاع طائرتها ودون مبالاة طاقم شركة الطيران بشكواها، لا يحتمل التأويل الذي أضافه الكاتب على الموقف في أنه تم التمييز ضدها لأنها عربية. لا أنكر أن هناك عنصرية تجاه العرب والمسلمين، خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، لكن ما حصل لرباب كان مبالغًا به في إسقاط حالة التمييز هذه على الموقف.

رابعًا: الشخصيات الأربعة التي هاجمت سلمى في محطة القطار كانت شخصيات سوداء. وقد كانت سلمى خائفة من أن يتم الاعتداء عليها من قبلهم لأن لديها تصورًا مسبقًا بأن هذا سيحدث، وهي الصورة النمطية المأخوذة عّن السود. حاول الكاتب من خلال تفاصيل هذا الفصل أن يقول إنه ليس بالضرورة أن يتم الاعتداء لأنهم سود، ومع ذلك اعتدت هذه الشخصيات على سلمى. وهنا كان تناقض من قبل الكاتب، وأيضا عزز النظرة العنصرية والسلبية تجاه السود.

يتسارع في رواية "عناق عند جسر بروكلين"، ويشعر القارئ أنه يخوض في غمار ماراثون

خامسًا: خلفية الكاتب السياسية عكست نفسها في طرح مواضيع مثل تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر، بعثات الأمم المتحدة لدارفور. هذا أمر أتفهمه تمامًا وهي جزء من الواقع عندما يكون الحديث عن أمريكا. لكن ما أراه مجحفًا هو تبني الكاتب لوجهة نظر الغرب في كل ما يجري من أحداث سياسية. هذا أمر وجدته مجحفًا وغير منصف.

اقرأ/ي أيضًا: رياض الريس.. زمن الاحلام المجهضة

بالمجمل هو عمل جيد، وبه رمزيات كثيرة ويفسر كثيرًا من واقع الأقليات في الغرب وحالة الصراع التي قد تنشأ. لكن كما ذكرت، ليس بالضرورة أن يكون الوطن الثاني عدوًا يتربص بِنَا، حتى المنافي يمكن أن تكون أرحم بِنَا من أوطاننا الأم، والذي لا يلتفت أحد لهذا الجانب منه "المنفى: ذلك الكريم الذي لا يشكره أحد".

 

اقرأ/ي أيضًا:

الكتّاب العدّاؤون.. الجري امتدادًا لفعل الكتابة

بورخيس.. أبو الهول الأرجنتيني