رواية

رواية "خليل" لياسمينة خضرا.. الأجوبة الغائبة

ياسمينة خضرا (misk.tn)

هل كانت للروائي الجزائري ياسمينة خضرا الشجاعة الأدبية الكافية لينتقد تورّط الغرب في صناعة الإرهاب في العالم؟ كتب خضرا رواية جديدة "خليل"، لكنه لم يقل شيئًا جديدًا، بل نجده وفيًا لبعض المواقف التي يسوّق لها الإعلام الفرنسي، وهو أنّ مصدر الإرهاب نابع من خصوصيات بيئية واجتماعية ونفسية، اصطحبها المهاجرون المغاربة معهم إلى أوروبا، قبل أن تنمو وتتطور، وتتحول إلى ضرب من الكراهية اتجاه الغرب.

هل كانت للروائي الجزائري ياسمينة خضرا الشجاعة الأدبية الكافية لينتقد تورّط الغرب في صناعة الإرهاب في العالم؟

مرّت الرواية بالقرب من الأسئلة الجذرية، دون أن تلتفت لها. ما دور الغرب الكولونيالي في تفاقم ذلك الإحساس العميق بالكراهية؟ ما هو دور الأنظمة الغربية اليوم، بسياساتها النيو–كولونيالية في تطوير صناعة الأعداء، وبذلك في غرس بذور الإرهاب في الدول العربية والإسلامية، ودعمها؟

اقرأ/ي أيضًا: ياسمينة خضرة لرشيد بوجدرة.. أسامحك مع كلّ حزني

الأكيد أنّ أكبر مستفيد من الإرهاب هو الغرب نفسه، بوصفه مختبرًا لصناعة الأصوليات الدينية المتطرفة، إذ هناك لعبة جيوسياسية من وراء كل هذه المشهدية السياسية والأمنية في العالم، تهدف إلى استدامة حالة اللاأمن. فمن قال إنّ الحروب لا تمثل عاملًا من عوامل الاقتصاديات الاحتكارية في العالم؟

لا أتصوّر أن ياسمينة خضرا ينكر هذا الدور الخطير الذي يلعبه الغرب الإمبريالي في صناعة الأعداء، ولا أظن أنه لا يعي تمامًا ضلوع الغرب في صناعة الإرهاب، وتعزيز ثقافة كراهية ثقافات الأطراف؟ فما زلنا إلى اليوم نعيش في ظل تراتبية ثقافية، تتحكم فيها ثنائيات ضدية تجعل المركز قوة مطلقة لسحق الهامش وإقصائه؛ نلمح هذا منذ بداية رواية "خليل"، وهي بداية ذات حملة دلالية كبيرة، خاصة وأنها تجسد هذا المنظور الثنائي الذي يهندس للطبيعة الصراعية للعلاقة بين الغرب وغير الغربيين. فباريس، كما يقول السارد، هي مدينة الأنوار، فإذا انطفأ فيها مصباح واحد، غرق العالم في ليل مُدلهم. باريس مدينة النور، أما بقية العالم فتنتمي إلى ممالك الظلام.

منذ بداية الرواية، تتضح رؤية ياسمينة خضرا، وهي رؤية وللأسف، سجينة هذا المُعطى الثقافي والسياسي والتاريخي الذي يرى في أوروبا أنها رمز للنور (الأنوار)، وأنّ العالم الذي يقع في الأطراف القصية فهو يجسد الليل الدامس. استعارة هيغلية بامتياز، الذي وصف أفريقيا بالليل الطويل.

لم يتوقف محمد بلمسهول هنا فقط، بل رسم لنا شخصية روائية مكتملة دون أن تتطور داخل الرواية، وقد حدد معالمها الكبرى انطلاقًا من معطيين: المعطى الاجتماعي؛ فخليل هو سليل عائلة فقيرة من المهاجرين المغاربة الذين استقروا بضواحي بلجيكا، بحثًا عن حياة كريمة، في حين لم تشر الرواية ولو في شكل تلميح بسيط، إلى دور عنصرية الأوروبيين تجاه المهاجرين التي هي من بين الأسباب التي تُشعر المهاجر بدونيته؛ ما سنفهمه هو أنّ كل الأعطاب التي تثقل كاهل هذه الشخصية هي جوهرية فيها.

أما المعطى الثاني فهو معطى نفسي: علاقة خليل بوالده اللاأخلاقي كما يصفه، أو الخنزير النتن كما يلقبه حين يشتد غضبه منه، وكذلك إحساسه بأنه كائن مشيَّأ في المجتمع البلجيكي. كل هذه الظروف هي التي دفعت بخليل إلى البحث عن طريق الخلاص ليجده في جماعة دينية متطرفة، رسمت له ذلك الطريق نحو الخلود في الأبدية. وجد خليل في أفكار الحركة ما يغذي في داخله روح الانتقام من هذا الغرب. يتم اختياره مع صديقه دريس وآخرين ليكونوا قرابين للإله في حربه المقدسة ضد الغرب الكافر. وكان اختيار يوم الجمعة 13 تشرين الثاني/نوفمبر 2015 رمزيا، كما أن استهداف ملعب كرة القدم في غمرة التصفويات لكأس العالم بين الفريق الفرنسي والألماني يكشف عن أيديولوجيا العنف الديني، الذي يستهدف كل رموز الحياة، بحكم أن الملعب هو ساحة عمومية، للفرجة وللقاءات.

إنّ السؤال الذي طرحه خليل على نفسه: لماذا لم ينفجر حزامه الناسف؟ سؤال مهم حتى بالنسبة لقارئ الرواية. فهو يريد الموت، ويكره الحياة. بل يبدو أنّ البقاء على قيد الحياة، بعد محاولةٍ فاشِلةٍ لتفجير جسده وسط محطة قطار الأنفاق في العاصمة باريس، أصعب من الموت. بالنسبة لخليل لا معنى للحياة ما لم يكن لها هدف نبيل، وهو هو الموت لأجل الدين.

في هذا السياق، لم تهتم رواية ياسمينة خضرا بالكشف عن التكوين الأيديولوجي والفكري والديني لشخصية خليل، بل اكتفت بالكليشيهات العامة، عن كراهية الغرب، الدفاع عن الإسلام، الحجاب، الآخرة.. إلخ وهي أفكار لم تعالجها الرواية وفق العمق الذي يناسبها. قد يقول قائل ليست وظيفةَ الروايةِ تقديم تحليلات عن ظاهرة الإرهاب، أو تشريح للعوامل التي تُفضي إلى صناعة إرهابي، هذا صحيح، لكن لا يجب أن ننكر بأنّ الرواية هي الفن الذي يستوعب هذه الحقائق المعرفية ويوظّفها لأجل بناء عوالمه التخييلية، وتشكيل هويات شخصياته، فالرواية هي خطاب معرفي من خلال اللجوء إلى الشكل الفنّي.

 

خليل

إحدى الشخصيات استغربت: كيف يُعقل أنّ دريس هو أحد الانتحاريين الذين تم القضاء عليهم في ملعب باريس؟ الرواية لا تجيب. تكتفي فقط بتلميحات عامة. إنه ضحية أيديولوجيا. وانتهى الأمر هنا. وهذا غير كاف طبعًا. إحدى الشخصيات تساءلت كذلك: كيف يُعقل أن يذهبوا إلى الموت كأنهم يذهبون إلى رحلة استجمام؟ سؤال كهذا لم نجد له إجابة داخل الرواية.

حاولت رواية ياسمينة خضرا أن تُوهم القارئَ بأنّها وفّرت لشخصياتها مساحة للتعبير الحر عن أفكارها ومواقفها حول الإرهاب وحول الإسلام، لكننا سنكتشف بأنّ وراء البنية الحوارية التي تخللت نظامها السردي، يختفي صوت مُهيمن، ورؤية مهيمنة، هو ذلك الصوت الذي يقول والرؤية التي ترى بأنّ خليل هو نتاج بيئته الاجتماعية، ونتاج ثقافة المنشأ التي جعلته يستجيب لخطاب الحركة الدينية المتطرفة.

يدافع خليل عن خياراته الدينية، ويبررها بنبل رسالته وأهدافه، فبالنسبة له فإنّ الموت لأجل الإسلام يبرر انتهاك حقوق الإنسان بقتل الأبرياء في ساحة عمومية أو في ملعب أو في محطة قطار. في حين أنّ الرواية تريد أن تقدّم لنا هذا النموذج بوصفه نتاج العقل المتطرف الذي تشكّل ضمن ظروف معينة. الإرهابي ينتمي إلى ثقافة مُعادية للإنسان.

يكتفي ياسمينة خضرا، في رواية "خليل"، بتقديم الإرهابي كنتاج لبيئة اجتماعية محددة، دون أي مؤثرات أخرى

هل منحت الرواية لخليل كامل حريته ليقول كل شيء؟ هذا هو التساؤل الخطير في الرواية. إنها بقدر ما توهم بحواريتها، وبانفتاحها الديموقراطي على مختلف الأصوات السردية، كما جسدته في الحوار الذي جرت أطواره في مقهى، فإنها أطّرت وعي خليل بشكل دقيق، وسيّجت خطاباته، فهو يتحرك ويتكلم وفق نسق مسبق رسمته الرواية بدقة لأجل خدمة رؤيتها المتمثلة بأنّ الغرب بريء من كل هذه الدماء التي سالت بسبب الأعمال الإرهابية.

اقرأ/ي أيضًا: ياسمينة خضرا.. ليس على العالم أن يكون مثاليًا

أريد أن أنهي بهذا المقطع من كتاب "Panser l’Islam" للفيلسوف الفرنسي ميشيل أونفري: "أما بالنسبة لمفهوم البربرية، فمن الواضح أنه مجرّد حكم قيمي: فقد يبدو للوهلة الأولى أنّ من البربرية ذبح بشر فقط لأن ذنبهم الوحيد أنهم رعايا في أحد البلدان الإسلامية التي أعلن فيها الغرب حربًا عليها. لكنني أجد أنه من الهمجية أيضًا قتل الضحايا المدنيين الأبرياء من النساء والأطفال والمسنين باستعمال المعدات التكنولوجية المتطورة [...] في أفغانستان، وفي مالي، وفي أي بلد مسلم آخر على وجه الأرض". نص كهذا قد يُربك رواية "خليل".

 

اقرأ/ي أيضًا:

الإسلامي واليساري في سينما عادل إمام

أوبير حداد.. ماذا لو عشنا في جسد غريب؟