رواية

رواية "جنّة الخفافيش".. جنوب السودان بحذافيره

مدينة واو، جنوب السودان

في روايته "جنّة الخفافيش" (دار الساقي، 2017) يكتب الروائي السودانيّ بوي جون نصًّا روائيًا ممتدًّا بين الماضي والحاضر. يحضر الزمن الأوّل في الرواية لاستعادة حادثة مقتل والد الراوي، الطبيب أركانجلو مرجان. بينما يجيء الزمن الثاني ليكون فضاءً لأحداث الرواية وحكايتها التي أسَّستها مسبقًا الحادثة التي جرت في الزمن الأوّل. وبين هذين الزمنين ومناخ كلٍّ منهما، وتبدلاتهما معًا، نقرأ أحوالًا إنسانية لا تبشّر بخير، لمجموعة من البشر الواقعين ضحية ألعاب سياسية كبيرة في مجتمعات متداعية تعيش أساسًا، ومنذ زمن، عطبًا داخليًا جاء كنتيجة طبيعية للخيبات التي تراكمت فوقها.

يحكي لنا بوي جون في "جنّة الخفافيش" سيرة أركانجلو مرجان ووالده الذي قضى نحبه منذ سنواتٍ طويلة في حادثة إطلاق نار شهيرة

يحكي لنا بوي جون في "جنّة الخفافيش" سيرة أركانجلو مرجان ووالده الذي قضى نحبه منذ سنواتٍ طويلة في حادثة إطلاق نار شهيرة، ستترسّخ طويلًا في ذاكرة سكّان مدينة "واو" جنوب السودان. الحادثة المأساوية التي كانت سببًا رئيسيًا في هجرة أركانجلو برفقة والدته واخوته إلى العاصمة السودانية، سوف تدفعه بعد سنواتٍ طويلة للعودة إلى مدينته بقصد إعادة إحيائها واقتفاء أثرها وإزاحة الستار عمّا يلفّها من غموضٍ جاء بفعل اختفاء جثث من قضوا فيها. هكذا، يضع بوي جون تفسيرًا أوليًّا لعودة الطبيب أركانجلو مرجان إلى مدينته، ويؤطّره في إعادة نبش حادثة إطلاق النار الشهيرة. ولكن، ومع تواتر أحداث الرواية ووضوح شخصية أركانجلو فيها، يطفو على السطح سببًا آخر يُفسٍّر، شيئًا فشيئًا، عودته التي يظهر أنّها عودة للبحث عن الذات والأمكنة والانتماءات الأولى، أكثر منها عودة لاقتفاء أثر حادثةٍ طواها النسيان. ذلك أنّ الراوي يظهر في يومياته/ الرواية مغتربًا عن ذاته بفعل السنوات الطويلة التي عاشها على أنصاف الحقائق: نصف أسرة، نصف انتماء، نصف وطن، وأخيرًا نصف حياة.

اقرأ/ي أيضًا: حمور زيادة.. روح السودان ترفرف فوق السرد

أطلت الرواية على جنوب السودان من اتّجاهات متعدّدة، حيث إنّها، في جوهرها، ليست سيرة عائلة بعينها أو مكان محدَّد، ولا تتأمّل مصير فرد أو جماعة بشرية صغيرة، إنّما هي سيرة وطن بأسره، وسرد سيرته هو ما يعني بوي جون ويشغله. ولذلك، نجد مع تطوّر السرد أنّ امتداد نصّ الرواية بين زمنين يتعدّى كونه وسيلةً حرص الكاتب من خلالها على بلورة حكايته، أي حكاية أركانجلو ووالده. ونستطيع القول إنّ الحكاية برمَّتها وظِّفت لقراءة متغيِّرات الجنوب بين هذين الزمنين. ولذلك، فإنّ استعادة بوي جون لزمنٍ ماضٍ جاء بقصد استعادة مرحلة زمنية بائسة ودامية ومشبعة بالحروب في تاريخ جنوب السودان، وهي مرحلة سعى الجنوبيين فيها لحصد استقلاله/ انفصاله عن الشمال. وتاليًا، استعادة الخطابات السياسية الانفصالية التي بشّرت سكّان الجنوب بحياةٍ مختلفة في أرض تدرُّ لبنًا وعسلًا.

جنة الخفافيش

يسخر بوي جون بشكلٍ غير مباشر من الخطابات والوعود التي سبقت الانفصال في الزمن الثاني للرواية، أي في الحاضر الذي جعل منه فضاءً زمنيًا لأحداثها، ومرآةً يُعرّي من خلالها كذب الأمس عبر استعراضه للواقع الراهن. ويعتمد جون في ذلك على ما يرويه أركانجلو الذي أوكلت إليه مهمة سرد يومياته التي تصوّر مدينة "واو" بعد أربعة سنواتٍ من الانفصال، وتضعنا إزاء بشرٍ بنوا أحلامًا واسعة وكبيرة على خطابات الزمن الأوّل القائلة بحياة كريمة ومستقرّة، تُرجمت ما بعد الانفصال إلى حياة يسودها الفقر والجوع والحروب الأهلية الدامية التي تنسف أية محاولة استقرار منشودة للدولة المولودة حديثًا وشعبها.

تطلّ رواية "جنّة الخفافيش" على جنوب السودان من اتّجاهات متعدّدة

وبناءً على ما سبق، جاءت سخرية بوي جون من تلك الخطابات مُتَّخذةً أشكالًا مختلفة جعلت منها سخريةً مواربة وغير مباشرة؛ سخر منها في المرّة الأولى حين تحدّث أركانجلو، الراوي، عن حرب تدور قريبًا من المدينة، ويُقال أنّها تقترب منها. سخر منها في المرّة الثانية في حديث الراوي عن الخرافات التي يؤمن بها سكّان مدينة واو، والتي تدلُّ بطبيعة الحال، وبشكلٍ صريح ومُباشر، على جهلٍ ينخر المجتمع الجنوبيّ. سخر منها مرّةً ثالثة على لسان صديق الراوي الذي أخبره بأنّه يعمل مخبرًا لصالح الحكومة. وفي المرّة الرابعة، سخر منها في حديث عمّة أركانجلو عن جنّة الخفافيش – حدائق أشجار المانجو – التي تتناقص مساحاتها لحساب التوسّع العمراني، كدلالة واضحة على الفساد الحكومي. تأتي السخرية الأخيرة من رغبة سكّان المدينة في الهجرة بحثًا عن حياة أفضل. وتاليًا، لا مكان للحياة الكريمة التي بشّرت بها الخطابات الانفصالية.

اقرأ/ي أيضًا: مانفستو الديك النوبي.. قراءة لعنة التاريخ

ظلّ بوي جون بعيدًا في سخريته هذه، وسرده لأحداث الرواية، عن الامتثال لطرفٍ على حساب آخر، أو إزاحة أسباب الخراب إلى جهة ما دون غيرها. وظهر هذا الأمر واضحًا في بناءه لشخصية بطل الرواية أركانجلو مرجان الذي ظهر فيها شخصًا حياديًا لأبعد حد، ونقيًا من الخباثة التي تستشري في مجتمعه الذي يتداعى ويسير بخطوات ثابتة إلى الهلاك.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

صباح سنهوري: ستغمر المحبة العالم

السودان.. أدباء مصححو صحف!