رواية

رواية "بنت من شاتيلا" لأكرم مسلم.. الرمز للاحتيال على البنية

تستخدم رواية بنت من شاتيلا الرمز للتحايل على غياب البنية (تويتر)

تقدم رواية "بنت من شاتيلا" (الأهلية للنشر والتوزيع، 2019) للروائي الفلسطيني أكرم مسلم، محتوى جديدًا عن مجزرة شاتيلا، نصًا ينحاز إلى لواحق المجزرة، ويعيش في مآلاتها. فيروي هواجس الناجين منها، وذكرياتهم وأسئلتهم العالقة، بلغة محملة بالرمزيات في غالب المواضع، بشيء من السخرية السوداء أحيانًا، وبكثير من المفارقات التراجيدية في أحيان أخرى.

يتضمن نص أكرم مسلم، ما هو فارق في الأدب الفلسطيني ما بعد الانتفاضة الثانية، لكن النظر إلى "الرواية" كوحدة واحدة، سينتهي إلى حماسة أقل، وسيترك القارئ منشغلًا بأسئلة عن قصص لا مبرر لوجودها

يسرد النص بترميز مكثف، قصة "الحورية" وهي لاجئة فلسطينية نجت من مجزرة شاتيلا، واستقرت في مدينة هامبورغ، بعد أن وصلت هناك لترميم جرح في وجهها. "الحورية" بنت فدائي فلسطيني، تلتقي عند بحيرة في المدينة الألمانية بطالب دراسات عليا وباحث من رام الله، يشارك في مؤتمر هناك.

اقرأ/ي أيضًا: رواية ما بعد الانتفاضة الثانية.. الحاضر المفقود

تتوزع قصص العمل بترتيب غير منتظم زمنيًا، فيه الكثير من التقديم والتأخير، على حوارات ويوميات هذا الثنائي في هامبورغ، ثم على ذكريات "بنت شاتيلا" أثناء المجزرة وبعدها، وعلاقتها مع والدها، وحبها لشاب تكتشف لاحقًا أنه شقيقها، من علاقة جنسية خاطفة بين والدها الفدائي وزوجة زميله في النضال. وهناك أيضًا خالة الحوريّة في المخيم، وهي زوجة فدائي آخر غائب، تنتظره لسنوات دون أن تعرف مصيره، تتزوج في غيبة زوجها، وكانت هي السبب في سفر الحورية إلى ألمانيا. تظهر في السرد أيضًا قصص شخصيات ألمانية؛ عجوز تموت بعد حوار مع الشاب القادم من رام الله، وجارها المهجوس بكوابيس مزمنة.

خطابيّا، تنشغل الرواية بسؤال تمثيل الضحية، في مدينة هامبورغ التي تفرض أسئلة عن علاقة الضحايا الفلسطينيين بالمحرقة اليهودية. فالحورية، "الناجية الوحيدة" في عائلتها من واقعة شاتيلا، تصبح مادة لهذا التمثيل، بشكل يكشف فيه العمل، كيف أصبحت موضوعًا لخطابات كبيرة، وقصص تستجدي التعاطف، وموقفها من هذا الدور الذي ترفضه في جزء متأخر من العمل. وبعد اكتشاف نجاة أخيها الذي كان ينام في بيت أقاربه أثناء المجزرة، لم تعد الحورية الناجية الوحيدة، لكن هذا المجاز، كما توضح الرواية بتمثيل رمزي مميز، يبقى مغريًا بطريقة لا يتوقف استخدامه فيها.

رواية مفككة؟

يرتبط حقل الرواية، على الأقل في النقاشات التي يخوضها دارسوه، بشكل أساسي بالبنية السردية، التي تبدو وكأنها المبرر الأساسي لتصنيف أي كتابة أدبية سردية على أنها رواية. وإذا كان لا بد من تقديم صورة عامة عن مفهوم العمل المفكك أو غير المترابط، فإنها ستنتهي إلى نوع من الأعمال إن تمت إزالة مشاهد أو أجزاء أو قصص أو مسارات منه، لا تضطرب فيه المسارات الأخرى.

يحيل التفكير برواية مسلم على هذا النحو، إلى خلاصة أوليّة مفادها أنه يمكن التلاعب كثيرًا بالنص عبر حذف وشطب قصص كاملة منه، دون أن يتأثر المسار العام للقصص الأخرى. وبطبيعة الحال المسار الشامل للرواية كلها، الذي هو مسار غير واضح أصلًا إلى درجة التجرؤ والقول بعدم وجوده.

هناك رابط عام وحيد لا يمكن النظر في الرواية بدونه، وهو المجزرة أو ما بعدها، وهي سرديًا كما تظهر في العمل لا تبدو كافية لخلق بناء متكامل، بقدر ما هي خلفية عامية لمشاهد (سينمائية/مسرحية؟) متقطعة، فيصبح خلق ربط بين المسارات الأساسية للشخصيات وقصصها تحديًا حقيقيًا.

لا بد من وجود ربط، وهو موجود على مستوى الموضوع أو الحدث العام أي المجزرة. ولكن عند النظر في محاولة ربط الشخصيات أو المسارات الشخصية المختلفة، يجد القارئ قدرًا كبيرًا من المشاهد المنفصلة، تتضمن مجموعة من الأحداث الحاسمة المبنية على عجل (مثل مشهد الخيانة أو القصة الدرامية لإيصال الفدائي رسالة جنديه إلى زوجته، والتي فتحت باب بيتها المطل على شارع في المخيم، وهي تلف نفسها بمنشفة، وسرعان ما ستسقط ويصل المشهد فجأة إلى السرير. لقاء الحورية بالباحث من رام الله. اعتراف الأب بأنه والد حبيب ابنته..). يضاف إلى ذلك الاستطراد في مواضع أقل أهمية ضمن المسار العام (قصة موت المرأة الألمانية. قصة جارها وكوابيسه. زواج الخالة..) والاستطراد بقصص كاملة وفرعية يبدو لافتًا في رواية تقع في 157 صفحة.

إن الملاحظة الأوضح على النص في هذا السياق، كانت في عدم نجاحه في خلق تقاطعات بين مسارات وحكايات هذه الشخصيات أو قصصها دون اللجوء المفرط إلى المستوى الرمزي، وهو ما أوقع العمل في ربط غير منطقي تارة، أو مفرط في عاديته حتى يبدو مستسهلًا، تارة ثانية.

يظهر في النص هذا النمط، الذي قد يجده المهتم مألوفًا في الأدب الفلسطيني المعاصر، أي الاعتقاد بأن الروابط العائلية، أو المتعلقة بالموضوع، أو العلاقات الشخصية، تكفي للربط بين الشخصيات، أو لصناعة قصة كليّة منسجمة أو محكمة البناء. دون أن يتم الاهتمام بركيزة أساسية في الكتابة الروائية، وهي حتمية أن تكون العلاقات بين الشخصيات مبررة ضمن مسار سردي ناظم، تخدمه ويكشفها.

الرمز للاحتيال على البنية

تتميز رواية أكرم مسلم باتكاء مفرط على الرموز، في محاولة مستمرة لخلق إسقاطات تمثيلية لها. يتقن الروائي تمرير هذا التفكك، كنوع من التحايل على البنية السردية الغائبة والمسارات المنفصلة أو التقاطعات غير المقنعة، عبر تكتيك سردي ثقافي. بمعنى يستغل فيه ميل الأدب الفلسطيني في أحد أطواره، إلى الترميز، والتوق العالي لدى القارئ المثقف فلسطينيًا لملاحقة الرموز وتلقفها، وخلق علاقات بينها ودلالات توضحها، ويغدو هذا الاستثمار هنا ذا دلالة قصوى، حين يكون موضوع الرواية هو المجزرة، وهو سياق الدلالات والرمزيات الأكثر خصوبة فلسطينيًا.

قد يسيطر على قارئ للعمل في المرة الأولى الشعور بأن هذه الدلالات أعمق مما تبدو عليه. ولعله يمكن تلخيص الدلالات في العمل بإيجاز على أنها، مجموعة من المصادفات القائمة على الاستغراق في التشابه بين أحداث أو قصص أو شخصيات أو أسماء (تطابق اسم الفرقة الفنبة التي تعمل فيها الحورية في هامبورغ واسم والدها الفدائي، الجمل. التشابه بين بنت العائلة اليهودية التي كانت تسكن بيت الحورية وبين الحورية نفسها. زواج الخالة من مهرب سلاح فدائي ثم مهرب بضاعة. رائحة جثة الأم المقتولة في المجزرة التي لا تنقلها الكاميرا، ثم رائحة عجوز ألمانية تموت ميتة طبيعية في هامبورغ ثم انشغال الحورية برائحة أبيها، دون توضيح ما الرابط بين كل تلك التقاطعات). ويبدو مسلم في السياق الخطابي للعمل، متحمسًا للربط المباشر بين ثلاثة مستويات من الضحايا (ضحايا النازية، وضحايا إسرائيل، وضحايا حماس)، لكن هذا الربط اقتصر مجددًا على الجانب الخطابي، فيما لم يظهر في معظم الوقت في الروابط السردية التي تعطي إطارًا عامًا لهذه القصص.

يجيء التكثيف الرمزي في نص مسلم موفقًا بشكل لافت أحيانًا، مفهومًا أو قابلًا للإسقاط ضمن مآلات العمل أو الحالة الفلسطينية ككل، وغامضًا في أحيان كثيرة. وحيث يكون هذا التكثيف الرمزي سمة رئيسة في هذا العمل، يبدو في حالات كثيرة تشويشًا يغطي تفكك البنية والشخصيات ومساراتها. حيث ينشغل القارئ بالربط بين أحداث، أو قصص، أو أسماء، لمعرفة دلالاتها الرمزية ضمن القصة، حتى يتعذر عليه ذلك في كثير من مواضع العمل، ويتوه عن مساره الأساسي. وفيما قارئه يبدو فرحًا بفهم دلالة ما، أو حائرًا في أخرى، يمرر أكرم مسلم تبدلات شخصياته غير المقنعة في كثير من الأحيان، وغياب ناظمها، ومقولاتها السياسية.

يكتب أكرم مسلم رواية مثقفة أو رواية دراسات ثقافية، وهو ما يظهر واضحًا في هوية العمل، وفي الاحتفاء في خطابيته أكثر من الاحتفاء به كعمل روائي. حتى أن جل المراجعات التي تطرقت للرواية فلسطينيًا، انشغلت بما يتعلق بالعمل من هذه الناحية.

يستخدم المؤلف الرمز للاحتيال على البنية في مستويين:

أولا: تبدلات الشخصيات والنقلات الرئيسة في مسار حياتها أو حكايتها

يركز العمل على عرض هذه التحولات الكبيرة في حياة الشخصيات، التي ظهرت كثيرًا على أنها غير مفهومة، مع بناء غير منطقي لها، مع الاهتمام عوضًا عن ذلك بلحظة التحول باعتبارها خطابية أو رمزية. ويبدو أن مسلم انتهى إلى أن التفكك الكبير في المسارات والمشاهد، لن يدفع القارئ إلى التفكير بالشخصيات بشكل خطي، لكن لحظات التحول بطبيعتها تجعل القارئ يتساءل عن بذرة هذا التحول فيما مضى وكيف صار ممكنًا في حياة الشخصيات، كيف ينتقل الأبطال من أمكنة إلى أخرى؟ كيف وصلوا في النهاية إلى اتخاذ قراراتهم الحاسمة؟

يكتب أكرم مسلم رواية مثقفة أو رواية دراسات ثقافية، وهو ما يظهر واضحًا في هوية العمل، وفي الاحتفاء في خطابيته أكثر من الاحتفاء به كعمل روائي

فنيًا، تبدو شخصيات بنت من شاتيلا، وخياراتها، عائمة في سياق غير تاريخي، كأنهم أبناء اللحظة نفسها، اتخذوا هذه الخيارات من دون أن يكون لها أسباب، أو مقدمات في حيواتهم وطبيعتهم النفسية والاجتماعية. ومن اللافت القول، إن حتى دور المجزرة أي الخلفية/الحدث الأساسي، يبدو غائبًا في اتخاذ هذه الخيارات.

وبين شخصيات العمل جميعها، يبدو أن الشخصية الوحيدة المكتملة هي الخالة. وهي شخصية واقعية، تبدو من لحم ودم ومخاوف ورغبات رغم كل التقلبات. فيبدو اتخاذ قراراتها وإن كانت غير متصلة بمسار العمل (الطلاق والزواج) منطقيًا وقائمًا على تطور سلس.

ينشغل أكرم مسلم في "بنت من شاتيلا" بقول ما يترتب على الأشياء أكثر من قول الأشياء نفسها، حتى أنه يروي الأحداث الأساسية في العمل من خلال أسطر قليلة، وكأنه يعرف أنها لن تكون مقنعة بطريقة أخرى. لتوضيح ذلك لا بد من تجريد العمل إلى أحداثه الأساسية، وإن بدا هذا النمط من التفكير في نص روائي غير مستساغ إلا أنه أساسي عند التفكير في البنية. هذا التجريد يجعل الرواية تبدو مرتبة على هذا النحو: فدائي يخون زميله المقاتل، الذي يستشهد لاحقًا، وينجب من زوجته أي زوجة رفيقه ابنًا، ستقع ابنته في حبه في نهاية المطاف قبل أن يخبرها بالحقيقة. وكل هذه الأحداث تروى في أسطر قليلة.

ثانيا: غياب المسار الرئيسي أو العمود الفقري للعمل ككل

إن تقنية مسلم المتكئة بإفراط على الترميز تشعر القارئ للوهلة الأولى أن نصه غارق في التفاصيل العادية على هامش مجزرة، أو أنه يعبر عن قضايا عديدة وشائكة بدون نقلات دراماتيكية كبرى، يتضح نقصها تدريجيًا، لأنها تعتمد بالأساس على اختزال هذه النقلات "العادية" في الرواية، لا على تجاوزها لصالح عمل حديث أكثر تخففًا منها. وربما يكون ذلك تجديدًا يُحسب للعمل، لولا أنه بدا ترددًا مضاعفًا من استخدام هذه التقلبات الحاسمة في آثارها العادية في حبكتها، ومن عدم استخدامها في نفس الوقت، ما أظهر العمل أقل تماسكا.

في القراءة الثانية أو المتفحصة للعمل أو لأجزاء منه، حين تبهت سطوة الرمزيات واللعب على المفارقات الكلامية واللغوية، والتي يمكن اعتبارها هامشًا في متن البنية عندما نتحدث عن رواية، نجد أن العمل مشغول في تحويل شخصية الفدائي والد الحورية، من بطل غير تقليدي مهزوم Anti-hero كما يسمى في الأدبيات النقدية (يخون صديقه الفدائي ويعاشر زوجته. ينسحب من المعركة. يخفي سر أبوته لحبيب ابنته، إلخ..) إلى بطل خارق Super hero، يكلفه "القائد العام" بالتجهيز العسكري والتخطيط لعمليات فدائية تمتد من الثمانينات حتى 2007، يفك الشيفرات العجيبة. وينهي حياته مصوبًا صواريخه في غزة تجاه إسرائيل، معرضًا عن مواجة الملتحين القادمين لقتله.

من البطل المهزوم إلى البطل الخارق

لطالما عرضت مجزرة شاتيلا كجريمة ضد النساء أساسًا، وهو ما يظهر تكثيفه في إيراد مشاهد الاغتصاب في الرواية دون علاقة مع مسار الرواية ككل. والغياب الأهم عن المجزرة كان للفدائي، الذي غاب عن المجزرة فعليا وفي الرواية إلا أن الروائي يفرضه على العمل بطريقة اعتذارية، وينشغل في تبرير غيابه، عبر تحويله من شخصية بشرية، إلى بطل خارق.

يمكن إيجاز كثير من مسارات رواية "بنت من شاتيلا" باعتبارها تمثيلًا لهذا التحول، أي الانتقال من اليومي، والعادي، ومن الشخصية المهزومة والبطل غير التقليدي إلى البطل الاستثنائي، ما استدعى نقلات دراماتيكية كبيرة، لم تبد مقنعة دائمًا، وتخفّت بكثير من الرمزية والخطابية التي بلغت مستوى المقولات السياسية.

يبدأ الفدائي منكسرًا إزاء خطأ أخلاقي بعد أن خان صديقه في النضال، وسيناريو الرواية لا يعطيه مساحة كبيرة أول الأمر. يجيء الفدائي من الظل، هامشيًا، مكسورًا، ومذنبًا، ويضعه مسلّم في مشاهد منها تحمله مسؤولية قرار الانسحاب من المعركة مع أن القيادة هي من أمرت بذلك، ثم يتحول فجأة إلى بطل خارق على الصعيد الفني. ينتقل المشهد فجأة إلى غزة، حيث يكون الفدائي هناك، في نوع من الكتابة الملحمية التي تؤول إليها الرواية، ساعية إلى قول كل شيء، وإلى المرور على الأحداث الفارقة جميعها في حياة الفلسطينيين. المشهد مسلط على الفدائي نفسه، الذي يوشك أن يقع تحت رصاص "الملتحين" في إشارة إلى حركة حماس. ينتقل النص بين قتلة عديدين إن صح التعبير، من النازي إلى الإسرائيلي واليميني المسيحي اللبناني، ثم ينتهي بـ"الملتحي".

اقرأ/ي أيضًا: الروائيون الجبناء ورواية "الحيط الحيط"

لا تقتصر معضلة هذا المشهد على دعائيته، لكنه كان منفصلًا من الناحية الفنية عن العمل، فالفدائي الذي كان أقرب إلى الشخص العادي في مواضع كثيرة، تمتلئ حياته بالهزائم، والخيارات الخائبة والملتبسة، يصبح الآن بطلًا خارقًا بالمعنى الروائي التقليدي، يصوب سلاحه نحو إسرائيل، في حين يتقدم "القاتل الملتحي" نحوه بثقة لقتله. يريد "الملتحي" قتله، بينما هو مهموم باستفزاز إسرائيل كي تصل إليه وتقتله قبل أن يقتله "ابن وطنه" ويتحدث في تلك الأثناء لغة أقرب إلى الشعر تحاكي قصيدة درويش الشهيرة أنت مثل الآن غيرك:

يترك هذا التطور المفاجئ في شخصية الفدائي، على المستوى الفني، خلاصات سياسية بدت الرواية مهمومة بالوصول إليها. شخصية الفدائي بدت مزيجًا من مقولات سياسية ورموز، مضاف إليها، لغرض غير واضح، عدة صفحات من تفكيك شيفرة غير مفهوم علاقتها بالنص، إلا ربما تعبيرًا لا واعيًا عن علاقة مسلّم نفسه بالترميز والرموز. ولا يبدو الروائي مهتمًا أصلًا باستعراض تطور الشخصية، الذي يمكن أن يفسر خياراتها، أو بناء المسار العام المتماسك الذي يفسّر أقدارها.

خاتمة

يتضمن نص أكرم مسلم، ما هو فارق في الأدب الفلسطيني ما بعد الانتفاضة الثانية، لكن النظر إلى "الرواية" كوحدة واحدة، سينتهي إلى حماسة أقل، وسيترك القارئ منشغلًا بأسئلة عن قصص لا مبرر لوجودها. ولعل من الصادم، أن أجمل مقاطع العمل، يمكن أن يُصنف على أنه حشو. على سبيل المثال، فإن قصة الخالة، وهي فلسطينية تعيش في المخيم، زوجة مهرب أسلحة، تقع في حب مهرب بضاعة بعد يأسها من انتظار زوجها المعتقل في سجون حافظ الأسد، كانت من أمتن ما تضمن الكتاب، لكن السؤال عن مكانها ضمن المسار العام للنص يبقى مفتوحًا طوال الوقت، ولا يلاقي جوابًاـ إلا إذا اعتبرنا كونها خالة الحورية وساهمت في هجرتها لألمانيا كافيًا لنعرف كل ما استجد على حياتها بعد ذلك. كما أن "الرجل الدائري" وهو شخص ألماني، يسكن بجوار امرأة ألمانية هي أصلًا شخصية على هامش القصة، إلا إذا تعنّينا في محاولة العثور على معانٍ للرمزيات، لا يبدو له أي دور واضح.

تبدو شخصيات بنت من شاتيلا، وخياراتها، عائمة في سياق غير تاريخي، كأنهم أبناء اللحظة نفسها، اتخذوا هذه الخيارات من دون أن يكون لها أسباب، أو مقدمات في حيواتهم وطبيعتهم النفسية والاجتماعية

إن "بنت من شاتيلا" نص، أو ربما نصوص فارق/ة، تسائل بلغة سلسلة وبلاغية قائمة على المفارقة، قضايا تمس الطرق التي تم فيها تمثيل الضحية الفلسطينية، وتسلط الضوء على ما يسقط عادة من القصص الكبرى التي تقال عن المجزرة. ولذلك فإن مسلّم لم يرو تفاصيل ما صار في شاتيلا، متعمدًا على أغلب الظن، ولكنه بدأ من حيث تنتهي الحكاية، وحاول أن يكمل الطريق إلى أولئك الذين توقفت قبل أن تصلهم، أو إلى أولئك الذين سقطوا في هامش المحاولة الدؤوبة لإنتاج قصص براقة. لكن النص يعود من جديد، منتهيًا إلى أحكام كبرى، حتى بدا وكأنه سقط فجأة في ما تفاداه.

 

اقرأ/ي أيضًا:

ضياء جبيلي.. ديانات وقوميات في شخص واحد

غسان كنفاني.. الإقامة في زمن الاشتباك