رواية

رواية "الكتب التي التهمت والدي" لأفونسو كروش.. سرد متعدد الطوابق

"الكتب التي التهمت والدي" لأوفنسو كروش، نصٌ مكثف بحكايات مختلفة، جمعها في حكاية واحدة (Pinterest)

في روايته "الكتب التي التهمت والدي" الصادرة أخيرًا عن "دار مسكيلياني"، ترجمة سعيد بنعبد الواحد، يتجاهل الروائي البرتغاليّ أفونسو كروش الواقع لحساب الخيال، في بناء عمارته السردية. يحضر الواقع في الرواية للدلالة على وجوده كنقيض للخيال فقط، ذلك أنّ أفونسو كروش هنا لا يبدو مكترثًا به بقدر اهتمامه بتحويل عوالمه الموازية إلى واقع بديل عن الواقع الأساس، وتاليًا، محاولته إقناع القارئ بواقعية ما يرويه.

في رواية "الكتب التي التهمت والدي" يتجاهل الروائي البرتغالي أفونسو كروش، الواقع لحساب الخيال في بناء عمارته السردية

تروي "الكتب التي التهمت والدي" حكاية فيفالدو بونفين وابنه الياس. يخبرنا الأخير منذ بدايتها عن هوس والده بالكتب، تلك التي كان يحملها معه إلى عمله في مصلحة الضرائب ليقرأها خلسةً طردًا للملل، وهكذا إلى أن التهمته رواية "جزيرة الدكتور مورو".

اقرأ/ي أيضًا: أفونسو كروش.. لقاءات شخصية مع أبطال "الجريمة والعقاب" و"فهرنهايت 451"

هذا الهوس الذي يرثه إلياس عن والده فيفالدو، هو في الأساس هوس أفونسو كروش الذي وضع شخصيات عددٍ من الروايات الكلاسيكية في كتابة مغايرة كأساسٍ لبناء عالمه الموازي، تُشارك فيه شخصية الرواية الأساسية، الياس، بطولة الرواية بحضورها غير المنقوص. ذلك أنّ أفونسو كروش صاحب "الرسّام تحت المجلى" أخرج هذه الشخصيات من رواياتها وإطار العيش فيها، وفقًا لمشيئة كُتّابها، إلى حياة منحها فيها صوتًا خاصًّا وسيرة تخصّها، بحيث تعيش بمشيئتها، دون أن يُملي عليها أصحابها ما تفعل.

في روايته "الكتب التي التهمت والدي" يتجاهل كروش الواقع لصالح الخيال في البناء السردي لروايته
في روايته "الكتب التي التهمت والدي" يتجاهل كروش الواقع لصالح الخيال في البناء السردي لروايته

يبدو أنّ أفونسو كروش، ومن خلال إشراكه لهذه الشخصيات في بطولة الرواية إلى جوار الياس بونفين، يريد قراءة أحوالها الإنسانية، والنفاذ إلى هواجسها الداخلية، وكشف مكنوناتها بمعزلٍ عمّا جاءت عليه في الروايات التي تعرّفنا إليها من خلالها؛ إنّه يتعامل معها في روايته هذه كما لو أنّها بشرًا من لحمٍ ودم، تُخطئ تارةً وتُصيب طورًا، ولها أحزانها ويأسها وأفراحها وأحلامها المؤجّلة. هكذا، نتعرّف إليها مُجدَّدًا في عوالمها الأصلية، وفي عملٍ روائي واحد تتشابك فيه حكاياتها ومصائرها ببعضها البعض، وتُشكِّل نهاية حكاية إحداها بداية الأخرى.

تبدأ الرواية بإهداء جدّة الياس لجهة والده فيفالدو، مفتاح مكتبته الواقعة في عُليّة منزلها. كانت هذه وصية فيفالدو قبل أن يتوه في كتبه، وفرصة الياس ليعيش حياةً مُشابهةً لما عاشها والده، وتاليًا، البحث عنه انطلاقًا من المكان/الكتاب الذي تاه فيه، أي رواية جزيرة الدكتور مورو.

يتعامل كروش مع أبطال روايته "الكتب التي التهمت والدي" وكأنها بشر من لحم ودم، لها أحزانها ويأسها وأفراحها وأحلامها المؤجلة

وكمن يفتح بابًا ويتجاوزه، يلج الياس بونفين إلى داخل الرواية أثناء قراءته لها، ويتعرّف هناك إلى بطلها، إدوارد بريدنيك الذي يصير كلبًا يُرافقه في أسفاره داخل رواياتٍ أخرى. يتجوّل الياس بونفين، افتراضيا، في شوارع مدينة لندن، مسرح أحداث رواية ويلز، كما لو أنّه يتجوّل فيها حقًّا. ويحوّل ما قرأه في الرواية إلى مشاهد بصرية وصوريّة، تمامًا كما لو أنّه يصف لنا ما يراه، لا ما يقرأه. هكذا، وفي تجواله هذا داخل الرواية، يكتشف الياس بونفين أنّ إدوارد بريدنيك كان قد تعاقد، قبل أن يصير كلبًا، مع فيفالدو، والده، ليقرأ له بصوتٍ مرتفع بعد فقده بصره.

اقرأ/ي أيضًا: أفونسو كروش: لا يمكن ترك الشعر أبدًا

يومًا بعد يوم، كان الياس بونفين يتورّط في القراءة أكثر، ويسير، بخطواتٍ ثابتة، في الطريق الذي سلكه والده. كانت الروايات التي يقرأها تُحيله إلى رواياتٍ أخرى، وأمكنة جديدة وحيواتٍ مختلفة ولكنّها، كلّها، كانت تحت سماءٍ واحدة، أي سماء عالمٍ موازٍ يُسمّى "الأدب".

كتب كروش في رواية "الكتب التي التهمت والدي" نصًا روائيًا مكثفًا بحكايات مختلفة جمعها في حكاية واحدة
كتب كروش في رواية "الكتب التي التهمت والدي" نصًا روائيًا مكثفًا بحكايات مختلفة جمعها في حكاية واحدة

هكذا، كان من الطبيعي أن يلتقي إدوارد بريدنيك في رواية "قضية الدكتور جيكل والسيد هايد الغريبة" على هيئة كلب. وأن يكتشف أنّ راسكولينكوف، الشخصية الرئيسيّة في رواية دوستويفسكي "الجريمة والعقاب"، والذي كان يشعر بوخز ضميره بسبب جرائمه التي تؤرِّقه، قد تحدّث وجهًا لوجه مع بريدنيك أثناء بحثه في لندن عن الدكتور مورو الذي كان يُقال بأنّه يحوّل الحيوان إلى إنسان، لعلّه يفعل العكس، ويحوّله، أي راسكولينكوف، إلى حيوان، لأنّه كان مقتنعًا بأنّ الحيوانات لا تشعر بوخز الضمير الذي يشعر به بعد قتله للآخرين.

بالإضافة إلى أنّه عاد إلى لندن مرّة أخرى بحثًا عن الدكتور جيكل الذي فُقد أثره بعد أن تحوّل إلى مستر هايد الذي بات كائنًا لا يشعر بوخز الضمير أيضًا. وأن يلتقيه الياس أخيرًا في رواية راي برادبري "فهرنهايت 451".

في رواية "الكتب التي التهمت والدي" يكتب كروش نصًا مكثّفًا بعناصر فنية متعددة. نصٌ غنيٌ بحكايات مختلفة، يجمعها في حكاية واحدة

يكتب أفونسو كروش في روايته "الكتب التي التهمت والدي"، نصًّا روائيًا مكثّفًا بعناصر فنية متعدّدة؛ نصًّا غنيًا بحكايات مختلفة يجمعها كروش معًا في حكاية واحدة، ويجعل من شخصياتها المختلفة كائناتٍ بشرية لها حياتها الخاصّة، تلك التي لا تظهر في الروايات، وتظلّ بمعزلٍ عنها.

 

اقرأ/ي أيضًا:

رواية "هيا نشترِ شاعرًا".. مرثية عصر الاستهلاك

"آخذك وأحملك بعيدًا"..رواية عن بؤساء إيطاليا