رواية

رواية "الغرق" لحمور زيادة.. بشر في مهب العبودية والقسوة

الروائي السودانيّ حمّور زيادة (فيسبوك)

يضع الروائي حمّور زيادة (1979) في روايته "الغرق: حكايات القهر والونس" (دار العين، 2018) بلاده، السودان، داخل قرية صغيرة ونائية على أطراف النيل، يُضيء عبرها جانبًا مُظلمًا من تاريخ الرقّ فيها، ويصوّر حال بلدٍ تتقاذفه التجاذبات المذهبية، والانتماءات السياسية، وكذلك العنف والعبودية والاستبداد.

منحَ حمّور زيادة "الغرق: حكايات القهر والونس" حسًّا فكاهيًا عاليًا، يُقابل المواجع التي تتناسل بكثرة منها هذه الرواية

يدفع صاحب "الكونج" بحكايات القرية/ البلد المُهملة خارج الهامش، ويمنح الفئات المهمّشة، العبيد ومجهولي النسب تحديدًا، فرصًا لم تكن متاحة قبلًا لسرد بؤسٍ يقهرونه بأحلامٍ مؤجّلة. ويشيّد لشخصياته هذه بلدة صغيرة، تُراوح أو تراوغ بين أزمنةٍ عديدة، مُجبرةً أهلها على العيش إمّا داخل واقعٍ فرضهُ صراع الساسة وانقلابات العسكر، أو داخل ماضٍ لا يكاد يُغادر تفاصيل حياتهم اليومية. يمنح زيادة هذه البلدة الصغيرة أصواتًا متعدّدة، عبر طيفٍ عريضٍ من شخصياتٍ تُكملُ في تجاربها اليومية وعلاقتها ببعضها البعض صورتها، البلدة، التي تعكس بالضرورة صورة البلاد أيضًا. ويعوّل صاحب "النوم عند قدمي الجبل" على اليوميات الصغيرة والقاسية في التمهيد لبناء أُسُسٍ اجتماعية في البلدة، تتجاوز التجاذبات السياسية والمذهبية والقبلية في آن واحد.

اقرأ/ي أيضًا: حمور زيادة.. روح السودان ترفرف فوق السرد

سنتعرّف بناءً على ما ذكرناه إلى أحمد شقرب الهارب من العاصمة الخرطوم بعد حلّ الحزب الشيوعي، ومطاردة الإسلاميين لعناصره، والاعتداء على مؤيديه. لن يعرف أحدًا السبب وراء لجوء شقرب إلى البلدة المسمّاة بـ"حجر نارتي"، حيث سيعمل ممرضًا لسنواتٍ طويلة. ولن يجد الشاب مشكلةً في العيش داخل بيئة محافظة نوعًا ما. أو، بمعنىً آخر، لا ترتاح للشيوعيين. كلّ ما يُعرف عن شقرب أنّه جُنَّ بجسد عبير، ابنة فايت ندو التي خدمت عند سعيد الناير، عمدة البلدة، سنواتٍ طويلة، دون أن يفوز به وحدهُ.

منحَ حمّور زيادة "الغرق: حكايات القهر والونس" حسًّا فكاهيًا عاليًا، يُقابل المواجع التي تتناسل بكثرة منها هذه الرواية. وجَهِدَ أيضًا مُحاولًا الإثبات للقرّاء بأنّ لا سلطة لهُ على شخصيات العمل برمّته. وأنّه حكّاء أكثر منه كاتبًا، يحكي ما يسمعهُ أو يعرفهُ فقط، لا ما يكتبهُ. هكذا، سنتعرّف إلى الحاج بشير الناير وقصّة حبّه التي ستؤنس القرّاء. فالحاج الذي لم يجدهُ أقاربه أهلًا ليرث عمودية البلدة عن والده بعد وفاته، سيقع في عشق سكينة بنت آل البدري، العائلة التي تنافس آل الناير على عمودية البلدة، منذ صغره. يزوِّج آل البدري سكينة لضابطٍ في الجيش، طمعًا في نفوذٍ لا يملكه آل الناير، مُحطّمين قلب الحاج بشير. ولكنّ الأخير، وما إن يسمع نبأ مقتل الضابط حتّى يتوجّه نحو بيت العزاء طالبًا سكينة من والدها أمام جموع المعزّين، ليخطّ لنفسه علاقة جديدة ومختلفة مع عائلة زوجته التي ستموت بعد زواجه منها بعدّة سنوات.

تقف بين الحاج بشير وأحمد شقرب شخصيات عديدة، بمصائر مختلفة ومتشابكة أيضًا، في بلدة تتطلّع لحلّ مآزقها عبر الجمع بين أعراف أزمنةٍ مضت، وأزمنةٍ تحدث لتوّها، مما يجعلها دون هوية ثابتة، أو قوانين واضحة. من بين هذه الشخصيات نُتابع حكاية محمد سعيد الناير الذي يرث عمودية حجر نارتي عن والده، فيعود من الخرطوم قبل إنهاء دراسته الجامعية، مُغيّرًا مصيره بشكلٍ كامل، ومُبتعدًا عن أحزاب العاصمة ونواديها السياسية. هناك أيضًا رشيد، شقيق بشير ومحمد الذي يدخل في حالة هوسٍ شديدة بجسد عبير، تتجاوز هوس أحمد شقرب بمسافاتٍ بعيدة.

وزّع زيادة مؤلّف "شوق الدرويش" حكايات وشخصيات روايته هذه بين القهر والونس. فبينما حضرت بعض الشخصيات والحكايات من باب الونس، نُتابع شخصياتٍ تغرقُ وتنوء في بؤسها، مثل فايت ندو التي خدمت ومن قبلها أمّها وجدّتها في بيوت آل الناير، قبل أن تحمل بابنتها عبير من أحد أسياد البلدة. تُحاول فايت ندو أن ترسم مصيرًا مختلفًا لابنتها التي تثير شهوات صبية ورجال البلدة دون أن تكون صعبة المنال، إذ يطأها من يشاء، ويختلي بها من يستطيع فعل ذلك، صغارًا يداعبونها، وكبارًا يدفعون بأجسادهم نحوها، ليُفشل حبلها من رشيد الذي ينبغي أن يكون بحكم قوانين العبودية الجديدة التي ألغت الرق، دون أن تحرّر العبيد فعليًا، خالها؛ أحلام فايت ندو.

حمور زيادة في "الغرق" حكواتي أكثر منه كاتبًا، يحكي أكثر مما يكتب، ويقدّم حكاياتٍ تُوجع القارئ، وأخرى تؤنسه

أرادت الأمَة السابقة لابنتها المتفوّقة في دراستها أن تكون طبيبة، قبل أن تصطدم بسطوة واستبداد الحاجة رضية، سيّدة نساء البلدة باعتبارها زوجة العمدة محمد سعيد الناير، التي تستدعي الفتاة لتسخر منها أمام جليساها، وتذكّرها بأنها ابنة حرام لا نسب لها، لتردّ عبير وتقول أنّها ستصبح يومًا طبيبة، وأنّها لن تعالجها، أي رضية، بل ستتركها للموت ليرتاح أهل البلدة من بطشها، ليستبد الغضب بالأخيرة وتمنعها من الذهاب إلى المدرسة، دون أن تنفع توسّلات فايت ندو في ثني قرار رضية، أو يصدق الرجال الذي عاشروا الفتاة الصغيرة ووعودها بحمايتها، ودون أن يشفع لها رشيد التي اشترطت عليه قبل أن تمنحه نفسها أن يشفع لها عند الرضية، زوجة أخيه.

اقرأ/ي أيضًا: رواية "الغرق" لحمّور زيادة.. خلطة الحكايات المبهرة

كتب الروائي السودانيّ حمّور زيادة في "الغرق: حكايات القهر والونس" عملًا روائيًا يكون فيه، قبل كلّ شيء، حكواتيًا أكثر منه كاتبًا، يحكي أكثر مما يكتب، ويقدّم حكاياتٍ تُوجع القارئ، وحكاياتٍ تؤنسه أيضًا. يحكي لنا عن بلدةٍ عن يدفع أهلها الكوارث والمآسي التي تتوالى عليهم بالونس والحكايات. وعن نساء مجهولات المصائر، كمال حال السودان الغارق بثورات وانقلابات العسكر والإسلاميين، والواقعات تحت ضربات الرجال والأعراف. وما المرأة الغريقة التي يلفظها نهر النيل في مستهل الرواية، إلّا تعبير عن حال المرأة، وكذا السودان، في آنٍ واحد.

 

اقرأ/ي أيضًا:

4 روايات لقرّاء العيد

توني موريسون.. الكتابة على إيقاع الروح الأفريقية