رواية

رواية "الشقة في شارع باسي" لراجي بطحيش.. دهاليز المكان والصداقة

الكاتب راجي بطحيش

ألترا صوت – فريق التحرير

أصدر الروائي الفلسطيني راجي بطحيش روايته الثانية "الشقة في شارع باسي" عن "المؤسسة العربية للدراسات" في بيروت.

تتناول الرواية حكاية الصديقين أمير وجميل عبر تاريخ واسع، يمتد بين عامي 2001 و2019، منذ أن هاجرا معًا بعد نشوب الانتفاضة الثانية وأحداث تشرين الأول/أكتوبر 2000 في الجليل، سعيًا وراء حياة أفضل يمكنها استيعاب اختلافهما، أو بالأحرى البحث عن شركاء من أصحاب النفوذ والمال والشقق كاملة الملكية في الأحياء المرفهة والمليئة بالغنج في العاصمة الفرنسية.

لكن تحقيق حلم الإقامة هناك وبشروط مريحة، يتحول إلى سباق على اقتناص فرصة واحدة لا غير، تظهر مرة واحدة مع ظهور أعراض مرض الإيدز على أحدهما، وعلى واحد منهما سرقتها من الآخر دون رحمة كي لا تضيع على الاثنين معًا، فالأقربون أولى بالمعروف. يفترق الصديقان بعد أقل من عام من وصولهما ثم يلتقيان بالصدفة بعد ذلك بـ 18 عامًا.

جاء في كلمة المحرر على غلاف الرواية: "متنقلًا بين الأماكن والأزمنة، يتتبع راجي بطحيش في روايته "الشقة في شارع پاسي" رحلة بطليه جميل وأمير لاكتشاف نفسيْهما وهويَّتيْهما ومكانيْهما في العالم. وعبر سرد حيوي، مُفعم بروح ميلودرامية لا تخلو من تأمُّلٍ ساخر لشخصياته، يرسم بطحيش مسارات بطليه من الوطن فلسطين، أو "البلاد" كما يُسمِّيها، وحتى شوارع وممرات العاصمة الفرنسية پاريس؛ پاريس أخرى قاسية، غير تلك المضمَّخة بالعطور والمزدانة بالحُلي والأزياء الفاخرة، من البداية الحالمة في زمن الطفولة، وحتى النهاية المفجعة في نهاية الطريق".

سبق لراجي بطحيش أن أصدر ثلاث مجموعات قصصية منها "هنا كانت تلعب روزا"، ورواية هي "يولا وأخوته".


من الرواية

"أنتَ تكتفي بالقليل!" هذا ما قاله لي جميل، ونحن نسير في شارع "سان مرتان". لا أتذكر بالضبط الحوار الذي أدى إلى هذا التصريح، لكنه أخافني وأرعبني. أول ما فكرت فيه لحظتها أنه هو مَن زرع اليأس في جسدي، لا يكتفي بالقليل. بعد أن أخبرني أنه قرر مغادرة پاريس نهائيًّا والعودة إلى البلاد للانتحار روحيًّا، جعلني ذلك أحجز تذكرة عودة نهائية قبله بشهر، وتلك كانت منطقة خطر حقيقية يمكنها أن تقلِّب كل شيء. لقد أجل عودته بعدي بشهر، لأنه كان يملك مالًا أكثر مني ويكفيه لشهر، وذلك كان سببًا كافيًا، ظاهريًّا. أنا مَن أحضره إلى پاريس، ولن أدعه يبقى فيها يومًا واحدًا بعدي. كل شيء كان متاحًا في ذهني، على الأقل كي أمنعه. في أحيان معينة، كنت متأكدًا أنه لا يقوى على تدبير أموره ليوم واحد حتى بدوني. أما في أحيان كثيرة أخرى، فقد كان يفاجئني بجملٍ أو تصريحات على شاكلة "أنت تكتفي بالقليل" أو "لم أعد أحتمل كآبتك يا أمير". كأنه يقول لي: "إما أنا وإما أنت. لقد بتُّ أعرف عنك الكثير وبتَّ تعرف عني الأكثر. لقد أحضرتني إلى هنا، وجاء الوقت كي يغادر أحدنا. أن يغادر مَن يكتفي بالقليل. الكئيب بيننا. هذه المدينة لا تطيق مَن يكتفي بالقليل". كان يقول ذلك كي أشعر بالذنب جراء اليأس والحزن الذي أنثره بالعالم، فأدهنه بالشحم الأسود دون رحمة، بينما هو يرتج من السعادة كل بضعة أشهر من جديد.

لن أدعه يبقى هنا، وأعود أنا إلى بيتنا لأحتضر من الإيدز، ذليلًا، نحيلًا، قبيحًا ينهشني العار. لن أدعه يبقى هنا، وسأعود لأقتله إن بقيتُ حيًّا. إما سأرميه ليموت بين قضبان سكة المترو، وإما سأدفعه ليُدْهَس في الطريق الدائرية السريعة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

البحث عن مفضي الجدعان الجديد

في المَشي كتابةً