رواية

رواية "الحلم الألماني".. هزلية عن الديمقراطية الغربية وأوهامها

الروائي رشيد بوطيب

 

إذا كان سارتر قد دعا في مقالته الشهيرة في الستينيات "ما الأدب؟" إلى نوعٍ من التعبير الأدبي الملتزم بقضايا مجتمعه، وهو طريق سلكه العديد من فلاسفة القرن العشرين الذين عبروا إلى الكتابة الأدبية، فإن هذه الدعوة لم تساهم في جسر الهوّة بين الأدب والفلسفة فحسب، بل دفعت بالتعبير الأدبي، الروائي تحديدًا، باعتباره نمطاً من التفلسف.

ولتأكيد هذا القول يكفي التذكير بأسماءً من قبيل: موريس بلانشو، وجيل دولوز، وآلان باديو، وقبلهم نيتشه، ما يجمع تلك الأسماء هو اعتبارهم الأدب ليس بوصفه تكملة لنشاطهم الفلسفي فحسب، بل وجهًا آخر من صِيغ مقاربة الوضع الإنساني.

يطرح رشيد بوطيب، في روايته "الحلم الألماني"، مواضيع فلسفية واجتماعية في قالب روائي

يحاول الأستاذ في الفلسفة رشيد بوطيب في "الحلم الألماني" (منشورات المتوسط 2017) السير في هذا المنحى، ففي صفحات هذا العمل يعمد إلى طرح مواضيع فلسفية واجتماعية في قالب روائي، منها الإسلام والجسد والتاريخ والحداثة والعقلانية، والرأسمالية والديمقراطية والشعبوية. ويعمد كذلك من خلال هذا السرد القصير إلى ممارسة نوعٍ من "النقد المزدوج"؛ نقد الديمقراطية الليبرالية الغربية من جهة، والتي تحولت إلى نظام رأسمالي انتهت هي الأخرى بالفشل في تحقيق وعود الخلاص للبشرية، ونقد الشرق وثقافته ودكتاتوريته وأمراضه من جهة أخرى، ونقرأ من خلال شخوص العمل الرئيسية نقدًا ساخرًا، معبرًا بلغة شذرية مقتضبة، ومحمّلة بنقدٍ فلسفيّ عميق.

اقرأ/ي أيضًا: في زمن كورونا.. العمى بين ساراماغو ونبيل سليمان

تعقيد الشرقيّ

تدور أحداث الرواية في مدينة فرانكفورت الألمانية، ويقول كاتبها إنها هزلية فلسفية أكثر منها رواية، أو هي هزلية اختار لها قالبًا روائيًا، ويقوم الجزء الأبرز من العمل من خلال حوارات بين الشخوص القليلة للرواية. نتعرف على "لولو" وهي مهاجرة مسلمة وتعمل كبائعة هوى، وفي الوقت نفسه هي قارئة نهمة ومثقفة، وتحتفظ بمصحف للقرآن في بيتها أحضرتها من بلدها. وتتّسم شخصيتها بتعقيد مركّب، يبدو على أنه محاولة لرفض اختزال المهاجر/ة والمسلم/ة كمحض نسخة من حشود كبيرة تحدده الصور الجاهزة عن المهاجر الشرقي، تستعصي "لولو" على أي اختزال أو توصيف جاهز، ومن خلال حواراتها مع شخصٍ آخر يدعى "علي"، نتعرّف على رؤيتها النقدية الساخرة للحياة الألمانية، ولفهمها الخاص للإٍسلام.

تتخلص لولو دومًا من الكتب التي تفرغ من قراءتها، إلا القرآن، فهو يبقى لصيقًا بها، في مقطع حورايّ نستشفّ فهمها للقرآن، تسأل صديقها "ماذا نفعل بكتب أفلاطون؟"، ليجيب "امنحيه لأول زبون ألماني، فهم يحبون الجدل". أما القرآن، فبرأيها مع أنه يجادل أيضًا، فهو كتاب جميل، "ويزداد جمالًا إذا تركناه في حال سبيله. أننا نعتقد بصوت مرتفع، ولهذا نزعج جيراننا الألمان".

يتشارك معها صديقها عليّ هذا النوع من الفهم الذاتي للإسلام، حين يقول إن الإسلام حب، وما تقوم به لولو، وتقديمها الحب للكل الغرباء هو روح الإيثار، ومن يقول عكس ذلك، يجب تكفيره. ويذكّر بأن هذا ما أخاف الكنيسة قديمًا من الإسلام، وهو ما تحاول الحداثة، التي تغار من فحولة العرب، إنكاره عليهم. بمساعدة أئمة جهلة، يتكلمون باسم الإسلام.

الشاب علي هاجر من شمال أفريقيا، أعطاه أبوه كل أسماء الخلفاء الراشدين دفعة واحدة، علي بكر عثمان، لم يكتف بخلفية واحدة، ويدفع ثمن هذا الحمل الثقيل في رحلة بحثه عن عمل. ولكي يتخلص من هذا المأزق المتمثل باسمه، يعلن أنه متسعدّ أن يحمل أسوأ اسم ألماني، إذا وافقت السلطات على ذلك، ويؤكد في رسائله أنه ينتمي إلى هذا البلد، وأنه مثل بقية الناس وأنه على استعداد لكي يصبح علمانيًا وطنيًاـ دستوريًا، ويعلن الندم الحقيقي والصميمي على الهولوكوست، ودعمه للدولة العبرية، لكن النتيجة أن لا أحد يصدقه. يقترح عليه أحد الأشخاص، أن يغير دينه وأن يعتنق المسحية إذا أراد الحصول على عمل، وهو أمر يصيبه بالحيرة، "فمرة يقولون إن ماضيهم هو التنوير، ولكن حين يظهر لهم محمد في الشارع، يسارعون بالهروب إلى مسحيتهم" حسبما يقول علي.

الإله المطرود

توجد شخصية "فيدريكا"، وهي زميلة لولو في المهنة، بدون سابق إنذار سيتم ترحيلها من البلد ذات يوم، وهو ما يضع شكوكًا حول فكرة التقدم البشري التي تدعيه الديمقراطية الغربية، ففيدريكا امرأة أرغمها زوجها على ممارسة الدعارة، ويضربها بمناسبة أو بدونها، وبدلًا من أن تلتفت الصحافة الألمانية إلى قصة تلك المهاجرة المسكينة، تشرع في ترحيلها والحديث على أنها قضت على مهمة سرّية للمسلمين هناك هدفها السيطرة على الحياة الألمانية.

رواية "الحلم الألماني"، بحسب صاحبها، هزلية فلسفية أكثر منها رواية، أو هي هزلية في قالب روائي

تستمر الصحافة في ملاحقتهم وتصويرهم على أنهم خطر يتهدد المجتمع. أما الشرطة فتواظب على زيارة بيتهم باستمرار، دون أن تعتقلهم. في إشارة إلى أن الرأسمالية في وضعٍ لا تستطيع التخلي عن قوة عمل أمثال لولو، فهن في نهاية المطاف جزء من ضمانات بقائه.

اقرأ/ي أيضًا: عن العلاقة بين الفلسفة والشعر

ما يتأكد عن قصة " فيدريكا" أن الأجنبي يبقى محض وجود هشّ، يمكن للدولة أن تتخلص منه في أي وقت، وحيث يشعر الإنسان بالغربة؛ يجب ألّا نتحدث عن مفاهيم مثل الإنسانية وعن التقدم، حيث تقف اليوم صفوفٌ بشرية لا حول لها ولا قوة أمام أبواب المدن الغريبة الموْصدة بإحكام. ويستعير السارد هنا صورة إله بوشرت في مسرحية فولففانغ بوشرت "في الخارج، أمام الباب" عن الإله وقد طُرد من المدينة. وهي مسرحية تصف الأوضاع المأساوية ما بعد الحرب العالمية الثانية في ألمانيا. وتفصح هذه الاستعارة واقع المسلمين المهاجرين في أكثر من بلد أوروبي. حيث لا يكتفى النظام الديمقراطي الليبرالي بطرد المهاجر/ المسلم وإقصائه، بل يُنظر إليه كمتهم وإن ثبتتْ براءته.

دكتاتورية الشرق

في مسار سردي موازٍ نجد شخصية روزا، وهي كردية هربت من زوجها، وهو رجل عجوز تزوجها وهي لاجئة في تركيا، وأحضرها معه إلى ألمانيا، كانت تسمع دائمًا عن ألمانيا وعن حقوق اللاجئين فيها، وعن حضارة البلد وإنسانية قوانينه، وتحلم هي التي مرّغت الدكتاتورية كرامتها وكرامة أسرتها بالتراب الهجرة إلى ألمانيا.

ولدت روزا في العراق، في بغداد، يومها لم يكن أحد يأمن على نفسه في البلد، سيطرد النظام أسرتها إلى شمال العرق بتهمة أنها من أصول فارسية، وسيغزو الدكتاتور العراقي مناطق الأكراد، وسيغتصبها جنوده أمام أمها، ستضطر الأسرة للهرب إلى إيران لتعيش في مخيم للاجئين على الحدود، ولاحقًا ستتمكّن من الهرب إلى تركيا، مؤملة أن تتمكن يومًا من إخراج أمها وأختها الصغرى من المخيم، لكن ذلك لا يتحقق لها، بل إنها لا تعرف اليوم شيئًا عن مصيرهم، أو مكان إقامتهم.

لا تخلو رواية "الحلم الألماني" من لغة شذرية ساخرة، تسخر من مفاهيم الحداثة والإنسانية الباردة

بعد حصولها على الإقامة الألمانية ستسافر إلى كردستان العراق بحثًا عن أمها واختها الصغرى، ستزور البلد الذي لفظها وقد مات الحاكم الدكتاتور، لكن الديكتاتور الكبير ما يزال حيًّا ولن يموت بهذه السهولة، لا أحد يريد له أن يموت، فالغرب يريد لتلك المنطقة الاستقرار حتى يحصلوا على نفطهم، لكن لا أحد يريد لها الحرية.

لعنة المهاجر المتّسخ

الشخصية الثالثة التي نتعرف فيها هذا العمل، هو رجل يدعي "المستشار"، يعتبره عليّ بمثابة والده، كانت لديه جهود من أجل تحسين وضعية المهاجرين في الغرب، ومصالحة الإسلام مع العصر وتحقيق السلام في الشرق الأوسط، وصفته السحرية هي كلمة "الضيافة"، إذا تحلّى الألمان بالضيافة، وعادوا إلى طبيعتهم الفلاحية السابقة على الحداثة، وتحرروا من التقنية، سيتخلصون من "ألمانيتهم المريضة".

اقرأ/ي أيضًا: عنف التخييل والإنسان القاتل

سيكتب المستشار في وصيته بأنه يريد أن يدفن في مقبرة مسيحية، لكن الألمان سيرفضون جثته، كانت رسالته واضحة، على المهاجرين العرب أن يندمجوا في هذا المجتمع، لكنه كان واهمًا، فهو لم يخمّن أن الألمان أنفسهم سيرفضونه، فالمهاجر متّسخ ومسلم ومزعج، وقد يزعج سكينة القبور حتى وهو ميت. سيدفن في الأخير في مقبرة أرثوذكسية.

لا تخلو الرواية من لغة شذرية ساخرة، تسخر من مفاهيم الحداثة والإنسانية الباردة، وتسخر من الشرق الغارق في ثقافة اللّحى والذكورية والتقليد. وينجح الكاتب عبر الصفحات القليلة لهذا العمل في تشريح أزمات الحداثة والنظام السياسي الغربي، الذي لا يزال يرفض الآخر رغم كل المفاهيم التي يلوكها عن الإنسانية والتقدم.

 

اقرأ/ي أيضًا:

"برق الليل" أو دون كيخوته التونسي.. أول رواية عربية تحاور ميراث ثيربانتس

في الذكرى الرابعة لرحيله.. وصية أمبرتو إيكو الأخيرة