رواية

رواية "الثعالب الشاحبة".. خراب يليق بفرنسا

الروائي الفرنسي يانيك هاينيل

تُعيد رواية "الثعالب الشاحبة" (دار ممدوح عدوان، 2017، ماري إلياس ومعن السهوي)  للكاتب الفرنسي يانيك هاينيل؛ إنتاج صورة مختلفة عن المجتمع الفرنسيّ، كاشفةً عن مجتمع آخر يتوارى خلف الصورة النمطيّة السائدة لهذا المجتمع الذي تُظهره الروايّة مجتمعًا مُزيَّفًا وملمّعًا إعلاميًّا وسلطويًّا، في سبيل الحفاظ أيضًا على الصورة النمطيّة السائدة للجمهوريّة الفرنسيّة.

تكشف رواية "الثعالب الشاحبة" الصورة الحقيقية للمجتمع الفرنسي، فتُظهره مجتمعًا مزيفًا وسلطويًّا

يتّسم ذلك المجتمع بالعنصريّة القائِمة على الهويّة العرقيّة والقومية، وتفشّي البطالة والتشرّد، وتدهور الحالة النفسيّة للمواطن الفرنسيّ وغير الفرنسيّ، والتي تقوده للعزلة وتدفعه للانتحار، مقدِّمًا كلًّا من البطالة والعمل والعنصريّة على أنّها الأسباب الرئيسيّة التي تقف خلف عمليّات الانتحار: "سمعت في الراديو أنّ معدل الانتحار يزداد بشكل مضطرد، وأن ذلك لم يعد حصرًا على العاطلين عن العمل والفقراء، بل يشمل أيضًا موظّفي الشركات الكبيرة، وأحيانًا مديريها" ص (31).

اقرأ/ي أيضًا: "آخذك وأحملك بعيدًا"..رواية عن بؤساء إيطاليا

تُعالج رواية "الثعالب الشاحبة" الواقعة في 188 صفحة عدّة قضايا مهمة وشائِكة في المجتمع الفرنسيّ، وذلك من خلال طرحها على لسان شخصيّاتِها، أسئلة وجوديّة تتفرّع من سؤالين رئيسيَّين يبحثان في جدوى الحياة ومعنى أن يكون الإنسان حيًّا، حيث تذهب تلك الأسئلة المطروحة في بعض الأحيّان للتشكيك في الوجود الانسانيّ، والبحث في ما يدلُّ على حقيقة ذلك الوجود: "هل أنا متأكد من كوني موجودًا؟ وهل كوني على قيد الحياة أمر عادي؟ لا أعتقد ذلك، فإنني لا أرى دقّات قلبي وحدها دليلًا على كوني حيًّا. فأن تكون موجودًا لا يعني فقط أن تحرق الـ750 غرامًا من الأوكسجين التي يحتاجها جسمك يوميًّا" ص (24).

كما تبحث تلك الأسئلة في قضيّة الهويّة والأوراق الثبوتيّة التي تُحدِّدُ جنسيّة المرء ومستحقّاته، بالإضافة إلى الجدوى من امتلاكها، وذلك من خلال شخصيّاتٍ ثانويّة متمسِّكةً بالهويّة بمختلف أشكالِها، وشخصيّاتٍ أخرى ترفض فكرة الهويّة والأوراق الثبوتيّة بوصفها شكلًا من أشكال العبوديّة الحديثة، وأمرًا يُسهّل على المجتمع والحكومة مراقبة حامليها، ما دفعهم لحرقها والتخلص منها تضامنًا مع من لا يملكون أوراقًا ثبوتية، وذلك في محاولة جادّة لتسليط الضوء على قضيّة اللاجئين غير الشرعيين في فرنسا، ورصد معاناتهم اليوميّة، إن كان ذلك من ناحية المجتمع أو السلطة.

الثعالب الشاحبة

تتكوّن رواية "الثعالب الشاحبة" من فصلين منفصلين من ناحية السرد، إذ يأخذ كلّ منهما شكلًا سرديًّا مختلفًا. ويقوم الفصل الأوّل على حكاية جان ديشيل المُفكّك وغير المعنيّ بالعلاقات الاجتماعيّة والإنسانيّة، والذي يُطرد من المنزل بعد تأخّره في سداد الإيجار، ليعيش بعد ذلك في سيّارته المركونة في أحد شوارع باريس، مجرّبًا الحياة التي يطمح لعيشها، والمتمثّلة في العيش وحيدًا، إذ إنّ الوحدة توفّر له استقلاليته التي تلغى وتهمّش بصحبة الآخرين، بالإضافة أيضًا إلى ما يتلقّاه من معونات كونه عاطلًا عن العمل، إذ أن العمل بالنسبة له أيضًا: "هو ما يفسد وجود الذين ينخرطون فيه، والناس الذين كانوا يتخيلون أنّ بقاءهم مرهون بالعمل هم نفسهم يسعون الآن إلى أن يجدوا وسيلة تسمح لهم بأن يبقوا على قيد الحياة" ص (17).

يعرض الروائي يانيك هاينيل من خلال شخصيّة ديشيل أفكاره نحو المجتمع الفرنسيّ والعنصريّة العرقيّة وقضيّة الهويّة أو الأوراق الثبوتيّة، حيث ينضم ديشيل فيما بعد إلى جماعة "الثعالب الشاحبة" غير المؤمنة بفكرة الهويّة والأوراق الثبوتيّة، والساعيّة للقيام بثورة تجلب الشغب والخراب لمدينة باريس، في تحدٍّ واضح للنظام الفرنسيّ.

إننا نحب كلمة ثورة لأنّها تخيفكم. وإن كانت تخيف بهذا القدر أناسًا مثلكم سيكون لها مستقبل

ينتقل السرد في الفصل الثاني والأخير من رواية "الثعالب الشاحبة" من الفرد إلى الجماعة، في دلالةٍ واضحة على أنّ الثورة تقوم على الجماعة الواحدة والمتراصّة، ولكنّها أيضًا تنطلق من الأحداث الفرديّة، حيث شكّل انتحار عاملي النظافة الأفريقيّين برمي أنفسهما من أعلى جسر السين هربًا من مطاردة الشرطة لهما كونهما لا يملكان أوراقًا ثبوتيّة؛ بوادر انطلاق ثورة جماعة الثعالب الشاحبة، والتي أحالت العاصمة الفرنسيّة خرابًا، ثأرًا لوفاة عامليّ النظافة، وتحديًا للنظام الفرنسيّ المُنتخب حديثًا في الروايّة: "إننا نحب كلمة ثورة لأنّها تخيفكم. وإن كانت تخيف بهذا القدر أناسًا مثلكم سيكون لها مستقبل" ص (179).

اقرأ/ي أيضًا: لبيدرو مايرال.. في مديح النقصان

رواية "الثعالب الشاحبة" محاولةً جادّة لكشف حقيقة المجتمعات الأوروبيّة بشكلٍ عام، والمجتمع الفرنسيّ بشكلٍ خاص، حيث تسلّط أيضًا في بعض جوانبها الضوء حول قضيّة الاستعمار الأوروبيّ للدول الأفريقيّة، والعنصريّة التي تتطوّر لديهم باستمرار، وهذا ما دفع جماعة الثعالب الشاحبة لأن تقول بأنّه ستنقل أفريقيا إلى وسط باريس.

 

اقرأ/ي أيضًا:

"عن الحب والموت".. باتريك زوسكيند في مطبخ الشيطان

فوزي ذبيان.. ديستوبيا الضاحية الجنوبية