25-مارس-2018

ندى سينوكروت/ فلسطين- أمريكا

في روايته السادسة "الاسم على الأخمص" (دار سطور، بغداد2018 ) يلجأ الروائي العراقيّ ضياء جبيلي (1973) إلى ماضي العراق لرسم خرائط حاضره وواقعه الراهن انطلاقًا من فكرة تفيد بأنّ الماضي نفسه أسَّس لهذا الخراب الحاصل في المجتمع العراقيّ الآن.

في روايته "الاسم على الأخمص"، يستعيد ضياء جبيلي حقبة الستينات ليصوِّر صعود حزب البعث إلى السلطة

يستعيد ضياء جبيلي صاحب "لعنة ماركيز" حقبة الستينات ليصوِّر صعود حزب البعث إلى السلطة، طاويًا صفحات سنواتٍ سبقت صعوده على خيبات خصومه العالقين ضمن شعاراتٍ حزبيّة وأفكار تنويريّة وثوريّة لم تصمد أمام جبروته وقسوته طويلًا، حيث انتهت بأصحابها إمّا إلى السجون في أقبية الأمن وأجهزة الاستخبارات، أو فارّين هربًا من نهاية محتومة لن يطول انتظارها. يضعنا هذا الهرب وجهًا لوجه أمام تحوّلات الفرد العراقي، وتطوّر العنف لديه بفعل أزمة الهوّيات التي تطرأ على حياته، وتأرجحه أيضًا بين ماضٍ قاسٍ وحاضر أشدُّ قسوة.

اقرأ/ي أيضًا: "السلْبُ" لرشيد بوجدرة.. محوُ ذاكرة الألوان

كما يصوغ ضياء جبيلي، صاحب "تذكار الجنرال مود" هذه التفاصيل كلّها من خلال حكايتين تنطلقان من مكان واحد هو مدينة البصرة. وتسيران بشخوصهنّ نحو مصير واحد أيضًا. هكذا، سنتتبّع في الحكاية الأولى حياة معلّم شيوعي يغادر العراق محمّلًا بهزائمه وخيباته إلى الاتحاد السوفييتي، ملاذ الشيوعيين آنذاك، ليؤسّس هناك حياةً جديدةً قائمةً على الخسارات وتشظّي الهويّة والأحلام المجهضة. سنكتشف أنّ زواجه من امرأة روسيّة تضع له مولودًا ذكرًا قبل انفصالهما لن يخفّف من وطأة جحيم الغربة عليه، لنجده يقفل عائدًا إلى العراق مجدّدًا لينخرط في صفوف حركة الأنصار الشيوعيين التي أخذت على عاتقها محاربة البعث. تعود أزمة الهويّة هنا للظهور مجدّدًا، متمثّلةً في انتقال هذا المعلّم من اليسار إلى أقصى اليمين، متشرّبًا أفكار الثورة الإسلامية الإيرانية التي سوف تضمن له بعد الغزو الأمريكيّ للعراق مقعدًا في البرلمان.

سيعود خطّ سير رواية "الاسم على الأخمص" إلى الوراء قليلًا لنتعرّف على نيكولاي الذي تركه والده – المعلّم الشيوعيّ – في موسكو قبل مغادرتها. ونكتشف أنّ حياته تسير وفقًا لسلوكه ورغبته بالانتقام من والده. على هذا النحو، سيتحوّل نيكولاي إلى مقاتل في صفوف "داعش" في سوريا، قبل أن يقفل عائدًا إلى الموصل تمهيدًا لانتقاله إلى العاصمة بغداد، حيث سيقتل والده هناك.

الاسم على الأخمص

في الحكاية الثانية من رواية "الاسم على الأخمص" لا تغيب أزمة الهويّة أيضًا، بل تكون أشدّ وضوحًا مما كانت عليه في الحكاية الأولى. سنتعرّف هنا على موسيقيٍّ يهرب من جبهات حرب الخليج الثانية إلى المخيّمات الأمريكيّة المقامة داخل الأراضي السعوديّة، قبل أن ينتقل لاحقًا إلى الولايات المتّحدة بوصفه لاجئًا. هناك، وعلى غرار المعلّم الشيوعيّ، يؤسّس حياةً جديدة تنهض هذه المرّة على رغبة عارمة بالتخلّص من الهويّة العراقيّة. سوف يفشل الموسيقيّ في ذلك، ويتبنى لاحقًا الفكر الجهاديّ الذي سيدفعه إلى قتل ابنته التي تعمل عارضة أزياء، ومغادرة الولايات المتّحدة بعد ذلك إلى سوريا منخرطًا في صفوف تنظيم الدولة.

في الولايات المتّحدة، سوف تنشأ عند عوف، ابن الموسيقي، رغبة في الانتقام لشقيقته من خلال قتل والده، الأمر الذي سوف يدفعه إلى الالتحاق بصفوف الجيش الأمريكيّ كمحاولة لتنفيذ هذه المهمّة المعقّدة، إلّا أنّ عوف يتمكّن من الإمساك بوالده لاحقًا، دون أن يتمكّن من قتله، ذلك أنّ والده، حين ضغط على زر تفجير حزامه الناسف، لم يترك له فرصةً لذلك.

"الاسم على الأخمص" رواية عن الآباء والأبناء، عن الحب والتطرف والهجرةو الاغتراب

يقول ضياء جبيلي إنّ رواية "الاسم على الأخمص" هي رواية عن الآباء والأبناء، عن الحب والتطرف، الهجرة، الاغتراب، السياسة، عن الحرب والخيانة والخذلان، والتحول من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، من الاعتدال إلى التعصب، عن الأوهام الطوباوية والأمجاد الزائفة والتداوي بالعنف والتشفي وصكوك الغفران. عن حيوات مضطربة تجسدها نماذج لشخصيات يسارية وأخرى دينية قلقة، متذبذبة، متناقضة ومأزومة نفسيًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا.

اقرأ/ي أيضًا: هشام ناجح.. الكاتب الذي صنعته "مهن القسوة"

يُذكّر أنّ ضياء جبيلي أصدر في الرواية: " لعنة ماركيز" و"بوغيز العجيب" و"تذكار الجنرال مود" و"أسد البصرة" و"المشطور". بينما أصدر في القصّة القصيرة ثلاث مجموعات هي: "وجه فنسنت القبيح" و"حديقة الأرامل" و"ماذا نفعل بدون كالفينو؟".

 

اقرأ/ي أيضًا:

رشا عدلي.. إضاءة ما أهمله التاريخ

"حجر الصبر".. حين أجهزت شهرزاد على شهريار