رواية

رواية "أرض الكلام".. قوة الشكل وتراجيديا المضمون

ممدوح عزام وروايته أرض الكلام

"أرض الكلام" رواية للكاتب السوريّ ممدوح عزّام، صدرت طبعتها الأولى سنة 2005 عن "دار المدى"، وتُعيد إصدارها في طبعة جديدة كلٍّ من داريْ (ممدوح عدوان ودار سرد، 2018).

في روايته "أرض الكلام"، يُتابع ممدوح عزّام الحفر والتنقيب في تاريخ وحياة الجنوب السوريّ

في هذه الرواية، يُتابع عزّام الحفر والتنقيب في تاريخ وحياة الجنوب السوريّ، الذي دارت فيه كل رواياته، وذلك من خلال سنة عاصفة من حياة هذه المنطقة، بين عامي 1959- 1960، خلال الوحدة التي كانت قائمة بين مصر وسوريا، ما يضعنا إزاء قراءة شاملة وواسعة لتلك المرحلة التاريخيّة المضطّربة، التي شهدت جفافًا كبيرًا وعسفًا أمنيًا منقطع النظير، حيث حلّت دولة الوحدة كل الأحزاب السياسية.

اقرأ/ي أيضًا: "أرواح صخرات العسل".. رواية جديدة لممدوح عزام

يبدأ صاحب "معراج الموت" روايته هذه بتقديم سكّان قرية السماقيات طلبًا إلى مديريّة المنطقة بإنشاء مكتبة عامّة، في الوقت الذي تعاني فيه القرية من جفاف وقحط ومجاعة تُهدِّد حياة البشر هناك. يُستجاب طلب السكّان، وتُشكّل لجنة من خمس أشخاص مهمتها شراء المكتبة. ومن خلال تقرير أعدّه أحد المخبرين، نتعرّف على أعضاء هذه اللجنة، حيواتهم الشخصيّة وخلفياتهم السياسيّة والفكريّة. ومن خلالهم، سنتعرّف على الشخصيّات المحيطة بهم أيضًا، وحياة كلٍّ منها.

يصوِّر ممدوح عزّام صاحب "نساء الخيال" في روايته الحياة في قرية السماقيات في ظلِّ الجفاف والقحط اللذين يشتدّان ويدفعان سكّان القريّة إلى مغادرتها بحثًا عن حياة أفضل. هذا الرحيل الذي يحصل بطريقة مأساويّة، يولّد حكاياتٍ متعدّدة توثّق ذكريات السكّان الحالكة، والمتأرجحة بين الحبّ والخيبات والجوع والقهر، والتي تُوثّق بدورها وتجمع في كتابٍ أسماه مؤلّفه توفيق الخضرا "كتاب السفر". هذه الحكايات الفرعيّة تتشابك مع الحكاية الرئيسيّة للرواية، مانحةً إياها أصوات متعدّدة ومتنوّعة عملت على إثراء الرواية بالمزيد من الحكايات.

تركّز الرواية على شخصية كريم الزهر، الشاب القروي الشيوعي الذي يخوض صراعًا مع أخيه حليم، المتدين المتزمت، في عودة إلى بدايات صراع الإخوة الأعداء، الذي يمنحه عزام أبعادًا مختلفة.

شخصية كريم هي المحرّك الأساسي للأحداث، خصوصًا في انتقاله للدراسة من القرية إلى المدينة، وفي تفتّح رغباته بين المكانين، وبين الحب البريء مع ابنة القرية محمودة والحب الجسدي العاصف مع امرأة المدينة لؤلؤة.

ما يُميّز رواية عزّام هذه هو تقنيات السرد. إذ أنه لم يركن إلى راوٍ محدّد، فاستخدم السرد الدائري لرواية الحكايات المتعدّدة بأكثر من طريقة، وعبر أكثر من راوٍ، لا سيما تلك المدوّنة في "كتاب السفر"، بالإضافة إلى الحكايات التي يكتبها ابنه الصغير، فيصل الخضرا، الذي يترك روح وعيون الطفل تدلي بشهادتها غير الواقعية عن هذا الواقع الصارم، بعدما بدأ بكتابة قصص متخيّلة عن أهالي القرية حين اكتشف قدرة الكلمات في المكتبة التي سكنها، والتي كان قارئها الوحيد.

ما يُميّز روايات السوري ممدوح عزّام هذه هو تقنياته السردية التي تخلق شكلًا يساوي قوة المضمون

اقرأ/ي أيضًا: تعرّف على 5 من أبرز الروايات السورية

كذلك يجري السرد بصريًّا من خلال عدسة كاميرا أحد أبناء القرية، وهو نازي حطّاب، الذي وثّق الهجرة والرحيل.

يُذكر أنّ ممدوح عزّام كاتب وروائيّ سوري من مواليد مدينة السويداء جنوب سوريا سنة 1950. صدر له في القصّة "قصص مكتوبة مرّتين" و"نحو الماء" و"الشراع". ومن رواياته: "قصر المطر" و"جهات الجنوب" و"أرواح صخرات العسل".


من الرواية

لم يكن شباط شهرًا للموت فقط، بل للحياة أيضًا!

إشارتي هنا إلى القطط؛ ففي العادة، كنا نسمع مواء واحدة، أو اثنتين، في الليالي المظلمة، وهي تطلب السفاد. لكن السماقيات انصعقت بظهور أكثر من مئة قطة اعتلت أطراف الجدران، أو أسطح المنازل، وأعالي الأشجار.

لم تكن تموء كما نعرف المواء، بل كانت تصرخ تقريبًا، صراخًا ثملًا طافحًا بالرغبة والهلع، في آن واحد. معظم الناس هنا، تشاءموا من هذا المهرجان المزدحم برائحة الفحش. لماذا؟ لا أعرف. إنني أرى فيه نوعًا من النشاط الحيوي الرفضي الذي يحتجّ على قحط قاتل، بهذه الدعوة الجماعية إلى فعل الخصوبة. اندفاعة غريزية تقوم بها هذه الكائنات، وقد حرّضها إحساس أرضيٌّ محض، بالخطر المحدق، والموت المتقدم. فإذا كان الموت يذعر البشر، فلمَ يخيفهم نداء الحياة الذي تطلقه الغريزة وحدها، في هذه اللحظة؟ الغريب أكثر من ذلك، أنني صرت أرى الرجال مستثارين، إزاء تلك الجوقة الظامئة التي تعلن عن نيّتها اقترافَ مضاجعات مجنونة (هذا ما توحي به تصرفاتها)، وسفادًا مشرقًا مرشّحًا للتعشير. ومقابل ذلك فإن الفكرة الوحيدة التي تمركزت عليها أحاديثهم هي أن هذه الحيوانات تنذر بالخطر، وتهدِّد الوجود، وتدعو لترك هذا المكان. لا أعرف كيف توصلوا إلى هذا الربط. ولكن الجميع قرروا الفرار. ربما كانت هذه الكلمة مشبعة بالأحكام من قِبلي، ولكن ظهور مشاريع السفر، وانطلاق الحلم الجماعي بالهجرة، لا ينمّ إلا عن انضواء رذيل في خطط الهزيمة والانسحاب.

 

اقرأ/ي أيضًا:

ثلاثة ناشرين.. حديث من كواليس عالم الكتب

قتلتُ لأنني أردتُ أن أحيا