رواية

رواية "أحجية إدمون عَمران المالح".. حياة كأنها البرزخ

الكاتب المغربي محمد سعيد احجيوج

ألترا صوت – فريق التحرير

صدرت للكاتب المغربي محمد سعيد احجيوج، عن دار هاشيت أنطوان / نوفل، روايته الجديدة "أحجية إدمون عَمران المالح"، التي يُظّفر من خلالها مسارين سرديين اثنين، يتمحور الرئيسي منهما حول الصراع بين عمران المالح -الصحفي المشرف على صفحة الكتب في جريدة لوموند وعضو لجنة تحكيم جائزة أدبية- في مواجهة فرانز غولدشتاين، المحرر الرئيس في دار نشر فرنسية يحاول إغراء عمران بعرض لا يمكن رفضه لانتقاء رواية محددة للفوز.

يلقي الروائي المغربي محمد سعيد احجيوج الضوء على تاريخ هجرة يهود المغرب إلى إسرائيل في روايته الجديدة "أحجية إدمون عَمران المالح"

أما المسار الثاني للرواية، الموازي والمتداخل مع المسار الأول، فيأتي ليلقي الضوء على تاريخ هجرة يهود المغرب إلى إسرائيل والمنعطفات التي مرت بها حياة عمران مذ حط قدميه على أرض إسرائيل صبيًا حتى استيقاظه، من جديد في المغرب، عجوزًا نزيلًا في مستشفى مجانين لا يتذكر من يكون ولا شيء من ماضيه إلا شذرات متفرقة تلقيها عليه ذاكرته كيفما شاءت مصادفات التذكر.

اقرأ/ي أيضًا: 5 مداخل لقراءة رواية "الحيّ الخطير"

تتعدد الحكايات وتتشابك المصائر، ورغم أن الرواية صغيرة حجمًا إلا أنها مكثفة بدرجة كبيرة ومتنوعة من حيث الحكايات الفرعية والثيمات. ومن تلك الموضوعات التي تلفت الرواية النظر إليها موضوع هجرة اليهود المغاربة، وبالأخص مرحلة الهجرة السرية التي كان يشرف عليها جهاز الموساد، ثم لاحقًا عملية ياخيين التي سمح بموجبها ملك المغرب، الحسن الثاني، بتهجير المغاربة اليهود مقابل دفع إسرائيل مبلغًا يصل إلى مئة مليون دولار.

أما عقدة الحكاية، الحبكة التي تحرك الأحداث إلى الأمام، فهي تدور حول موضوع فساد الجوائز الأدبية. يتحدث احجيوج عن جائزة أدبية فرنسية، بحكم زمان ومكان أحداث الرواية، لكنها أزمة تنطبق على أغلب الجوائز، قديمها وحديثها، وما الجوائز العربية ببعيدة عن ذلك الفساد، المتمثل في التدخلات الخارجية، من أصحاب الجائزة ومن الناشرين ومن الكتاب النافذين.

ينبغي التيه ليتحقق الوصول. يقول احجيوج في مستهل الرواية اقتباسًا عن عبد الفتاح كليطو. كذلك هي شخصيات الرواية تنتقل من تيه إلى آخر. لكن هل وصلت؟ يتركنا الكاتب أمام نهاية مفتوحة من التأويلات المتشعبة، يلتقي فيها مساري الرواية الإثنين، وتضعنا أمام نقطة يندمج فيها الواقع مع الخيال، ولا نعد نعرف، أين نحن. أين الواقع وأين الخيال. لعل هذا هو سؤال الرواية الحقيقي. سؤال الرجل الحكيم الذي حلم أنه فراشة في مرج أخضر وحين استيقظ تساءل إذا ما كان هو رجلا حلم بالفراشة أم هو فراشة تحلم أنها رجل.

تتناول رواية "أحجية إدمون عَمران المالح" حياة عمران مذ حط قدميه في إسرائيل صبيًا حتى استيقاظه، من جديد في المغرب، عجوزًا نزيلًا في مستشفى مجانين

اقرأ/ي أيضًا: هشام ناجح.. الكاتب الذي صنعته "مهن القسوة"

رواية أحجية إدمون عَمران المالح هي الثانية في رصيد الكاتب محمد سعيد احجيوج، بعد روايته الأولى "كافكا في طنجة" التي صدرت في القاهرة، 2019. كما أصدر من قبل مجموعتين قصصيتين، "أشياء تحدث (2004)" و"انتحار مرجأ (2006)"، وسبق له الفوز بثلاث جوائز شعرية، وفاز مخطوط روايته "ليل طنجة" بجائزة إسماعيل فهد إسماعيل للرواية القصيرة (2019). كما أصدر مجلة "طنجة الأدبية" (2004-2005).


من الرواية

"عَمران"، قالت ميمونة للجموع المحيطة بها تستمع لحكايتها، وأكدت بقامة شامخة: "اسمه عمران. إنه ابني. ابن الصحراء. إنه ابن الرب". لم يتحمل الأب المزيد وأرسل كفه إلى وجه ابنته. أقسم الكثيرون إن صوت الصفعة بدا أنه صوت الرعد، وأقسم آخرون إنهم شعروا بالأرض تهتز تحت أقدامهم، لكن ميمونة لم تهتز قيد أنملة. فقط غطاء رأسها انفلت وانزلق، وآنذاك بهت الجمع مجددًا. هذه المرة أمام بياض شعرها الناصع. يعرف الجميع أن شعر ميمونة حريري أسود فاحم كان يتغزل به كل شباب الملاح. لكنه صار الآن أبيض تماما. أبيض كالثلج. فكّر البعض في أن الخطيئة لا يمكن أن يكون لونها أبيض، وتساءل آخرون أي هول شاهدته المسكينة ميمونة.

*

 

التلخيص، كما الترجمة، خيانة. كلاهما يقوم على التأويل. تجد في الرواية أحداثًا وأفكارًا قابلة لتأويلات متعددة، مختلفة أو متكاملة، أو حتى متناقضة. حين ترتكب جرم التلخيص فإنك تضطر، بوعي أو من دونه، إلى انتقاء تأويل واحد فقط. هذه خيانة للنص. الروايات العظيمة لا يمكن تلخيصها. العظمة تأتي من تعدد مستويات القراءة والتأويل. التلخيص يقتل ذلك.

*

 

"عزيزي، نحن نفكر في المستقبل ولا نسجن أنفسنا بمحدودية الحاضر. هذه الرواية لن تحقق الكثير اليوم. ربما ستثير بعض القلاقل هنا وهناك، وقد تمنع في أكثر من دولة إسلامية، وقد لا تبيع أكثر من مليون نسخة. كاتبها لا يزال مغمورًا اليوم، لكنه بعد سنوات قليلة سيصير نجمًا". ابتسم فرانز. ارتسم على وجهه مزيج من الخبث والخيلاء، وأخذ المنديل ومرره على شفتيه قبل أن يتابع: "سيكون نجمًا تابعًا لنا نوجهه حيث نشاء كيفما نشاء". ثم وضع أصابع يده على طرف الطاولة واقترب بوجهه هامسًا. "خذ مني هذه النصيحة: حان الوقت لتتخلى عن أوهامك الشيوعية. فكر في مصلحتك الذاتية، وفكر في خدمة بني جنسك. هذا العالم لنا. كان لنا وسيبقى لنا".

 

اقرأ/ي أيضًا:

رواية "الحلم الألماني".. هزلية عن الديمقراطية الغربية وأوهامها

رواية "ثلاثة أيّام في كازابلانكا" لإسماعيل غزالي.. نزع حجاب المدينة