رهانات ميركل وماكرون.. استمرار الهيمنة على أوروبا مع أو بدون

رهانات ميركل وماكرون.. استمرار الهيمنة على أوروبا مع أو بدون "البريكست"

ميركل وماكرون في بروكسل (ماركو تاكا/Getty)

في اليوم التالي لانتخاب إيمانويل ماكرون، نشرت الصحف الألمانية الأسبوعية مثل دير شبيغل ودير زايت صورته على صفحة غلافها. إذ يُنظر إلى اختيار الشخص الذي سيقود فرنسا على أنه حدث كبير في ألمانيا. في العناوين المصاحبة للصورة، قدمت دير زايت صورة ماكرون بعيون مغلقة تحيط به هالة، تحت عنوان Der Heiland أو المنقذ، يرافق الصورة النص التالي: "يُعتقد الآن أن إيمانويل ماكرون هو منقذ أوروبا، رغم أنه مكروه من قِبل الكثيرين، وليس فقط من اليمين، ماذا نتوقع منه؟". أما دير شبيغل فقد طرحت رؤيتها مباشرة " إيمانويل ماكرون ينقذ أوروبا، وعلى ألمانيا أن تدفع".

ألمانيا وفرنسا مرهقتان من البريكست، وبريطانيا لا تخرج من الفوضى إلا لتدخلها مرة أخرى، وساستها يهمسون لأنفسهم مرة أو مرتين "ألم تكن تلك فكرة غبية؟"

 

فرنسا وألمانيا.. زوجان أو عائلة!

في الثاني والعشرين من كانون الأول/يناير 2018، التقى البوندستاغ والجمعية الوطنية في برلين وباريس للاحتفال بالذكرى السنوية الخامسة والخمسين لمعاهدة الإليزيه، في محاولة أيضًا لاتخاذ قرار بخصوص تعميق هذه المساحة من العلاقات الثنائية. تحدث رئيس الجمعية الوطنية الفرنسية، فرانسوا دي روغي، بالألمانية إلى البوندستاغ، الذي انعقد في جلسة استثنائية، معلنًا أن "فرنسا وألمانيا ليستا مجرد زوجين: بل نحن عائلة من بلدين". كانت القاعة ممتلئة، وكانت المستشارة أنجيلا ميركل هناك. في اليوم نفسه، ألقى فولفغانغ شويبله، زعيم البوندستاغ، خطابًا أمام الجمعية الوطنية، رحب خلاله بالصداقة الفرنسية الألمانية باعتبارها "إرثًا من التاريخ".

اقرأ/ي أيضًا: ماهي تأثيرات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي؟

تحتفظ فرنسا، التي تفتخر بمقعدها في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وجيشها الجاهز للعمل، بقوتها النووية وتأثيرها على المزاج الأوروبي سياسيًا وتاريخيًا، بينما تفخر ألمانيا بقوتها الاقتصادية وجودة منتجاتها، وتظل متحفظة بشأن التدخلات العسكرية، ولها رؤية في قارتها وخاصة في أوروبا الوسطى والشرقية، حيث تكمن اهتماماتها الرئيسية. كل هذا يضاف إلى الهيمنة البنكية الألمانية على قرارات بروكسل، والتي لا تعتبر من الأسرار أيدًا. 

لا يمكن القول عن التنافس بين البلدين بأنه محموم، لكن الفرنسيين يحاولون، فبينما يتحدثون طوال الوقت عن الأمة الكبرى، تعرف فرنسا أن مكانة برلين تكمن في "الدويتشة كواليتات" أو الجودة الألمانية، وفي ذلك يقول أحد الباحثين أن ماكرون عبر في اجتماع لرجال أعمال صينيين في أوائل العام الماضي عن عدم رضاه الكامل عن وصول فرنسا إلى السوق الصينية. كان الرد الصيني وقتها أنه يجب على فرنسا أولًا إنتاج سلع أفضل إذا أرادت تصدير المزيد ونقلت الدويتش برس عن أحد أعضاء الأكاديمية الصينية للتعاون التجاري والاقتصادي، قوله بأن "المنتجات الفرنسية لا يمكنها منافسة منتجات ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية". أخيرًا، لاحظت الوكالة أن الصينيين كانوا يعاملون أنجيلا ميركل بشكل أفضل من الرئيس الفرنسي، على الرغم من أن الأخير قدم "صوت أوروبا".

بعيدًا عن الصراعات التاريخية الرهيبة

في كاتدرائية ريمس  بفرنسا في 8 تموز/يوليو عام 1962، حضر كونراد أديناور وشارل ديغول القداس من أجل السلام، وفي العام التالي، تم توقيع معاهدة الإليزيه، والتي خرج من رحمها المكتب الفرانكو – ألماني للشباب. بعدها كان هيلموت كول وفرانسوا ميتران يمسكان أيديهما في داوومونت في فيردن عام 1984، حيث مقابر المقاتلين الذي قضوا نحبهم في الحرب العالمية الأولى، الشهيرة بمجازر الخنادق التي ارتكبها جيشا الدولتين بحق بعضهما. 

قد يقول المرء إن الألمان والفرنسيين قد لعبوا دورًا مهمًا في بناء أوروبا التي نعرفها الآن، ويمكن اعتبار  كل من ميتران وكول مع جاك ديلاورز رئيس المفوضية الأوروبية لاعبين رئيسيين في إنشاء السوق الموحدة، ثم ميلاد اليورو، الذي كان وسيلة لضمان إعادة توحيد ألمانيا في أوروبا. لكن أوروبا اليوم تتداعى، بين شعبوية تستغل خطابًا معاديًا تجاه الأجانب والمهاجرين، وطلاق بريطاني، قد يزيد من النعرات الشعبوية الانفصالية. في هذا السياق، كان توقيع معاهدة آخن واحدًا من مصدات الرياح التي حاول بها البلدان التمسك بما يوفره تكتل اليورو/شنغن من مكتسبات لاقتصادياتهما، وما يتضمنه ذلك من سطوة على القرار الأوروبي.

البريكست.. طلاق عسير

بعد ساعات من عدم اليقين والانقسامات والمداولات، وافق المجلس الأوروبي، وتحديدًا قطباه فرنسا وألمانيا، على تمديد يوم خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي حتى 22 أيار/مايو، هذا فقط في حالة ما إذا وافق البرلمان البريطاني على الصفقة التي أعدتها  تيريزا ماي، أما إذا لم يوافق فإن لدى ماي مهلة حتى الثاني والعشرين من نيسان/إبريل للتوصل إلى خطة وإلا فإن الممكلة المتحدة ستخرج من الاتحاد الأوروبي دون صفقة.

كانت تيريزا ماي قد طلبت تمديدًا حتى 30 حزيران/يونيو، لكن قائدا الاتحاد الأوروبي ماكرون وميركل منحاها تمديدًا حتى 22 أيار/مايو إذا تم اعتماد إطار التعاون في المستقبل، والمعروف باسم اتفاقية الانسحاب أو "الصفقة"، من قبل مجلس العموم الأسبوع المقبل.

أخبر إيمانويل ماكرون زملاءه من زعماء الاتحاد الأوروبي وفقًا لتقارير إخبارية، أن ماي لديها فرصة ضئيلة للفوز في التصويت. أما إذا لم تتمكن رئيسة الوزراء البريطانية من الحصول على موافقة على الصفقة بين النواب، فسوف تضطر مرة أخرى إلى الذهاب إلى بروكسل تتسول طلب تمديد إضافي وتقديم خطة واضحة للمضي قدمًا بحلول 12 نيسان/إبريل. ويتعين على ماي الآن إقناع بعض النواب البالغ عددهم 149 نائبًا الذين صوتوا ضد صفقة الخروج بالتصويت لنفس الصفقة.

من ناحية أخرى، حذر إيمانويل ماكرون من أن سيناريو عدم الاتفاق هو البديل الوحيد لاتفاقية الانسحاب، وقال "يجب أن نكون واضحين بشأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. لا يمكن إعادة التفاوض على اتفاقية الانسحاب، وإذا صوتت المملكة المتحدة سلبًا، فسنتجه صوب عدم التوصل إلى اتفاق"، وهو عين ما تطلبه فرنسا التي يهمها جدًا الحفاظ على قطاع الصيد في شمال البلاد، والذي يعتمد بشدة على الوصول إلى المياه والأسواق البريطانية.

التماس وملايين التوقيعات

في ذات السياق، جذب التماس يدعو إلى إلغاء المادة 50 وإلغاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أكثر من ثلاثة ملايين توقيع، وذلك بعد تسجيل أكثر من مليوني شخص في أقل من 24 ساعة. منذ ذلك الحين أصبح الالتماس الأسرع نموًا على موقع البرلمان الإلكتروني على الرغم من تعطل الخدمة عدة مرات، إذ يبدو أنه غير قادر على التعامل مع الطلب المتزايد عليه، كوسيلة لتعبير الناس عن استيائهم من خطط ماي لانسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد.

اقرأ/ي أيضًا: القفزة البريطانية إلى المجهول

استمرت إضافة التوقيعات حتى بعد إزالة التهديد بعدم الخروج في 29 آذار/مارس، عندما اتفق زعماء الاتحاد الأوروبي على أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي قد يتأخر، وبعد أن تجاوز عدد التوقيعات المليون، قالت لجنة الالتماسات، وهي مجموعة من النواب تضم أحزابًا مختلفة للنظر في الالتماسات المقدمة إلى البرلمان في بريطانيا، إن معدل التوقيع هو الأعلى الذي كان على موقعها الإلكتروني التعامل معه، كما أنه يحتوي على أكثر من ثلاثة أضعاف التوقيعات التي تضمنتها جميع الالتماسات المؤيدة لبريكست مجتمعة.

 جذب التماس يدعو إلى إلغاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أكثر من ثلاثة ملايين توقيع، وذلك بعد تسجيل أكثر من مليوني شخص في أقل من 24 ساعة

ألمانيا وفرنسا مرهقتان من البريكست، وبريطانيا لا تخرج من الفوضى إلا لتدخلها مرة أخرى، وساستها يهمسون لأنفسهم مرة أو مرتين "ألم تكن تلك فكرة غبية؟"، لكن يبدو أن مسار الأحداث لا يسير في خط هادئ ومستقر. أمام هذا الوضع، تسعى باريس وبرلين إلى اتحاد في وجه العاصفة التي تهدد صدارتهما الأوروبية، حتى لو كان ذلك على حساب الأعضاء الأضعف، وهو ما حدث دائمًا في عمر منطقة اليورو، مثل اليونان وإسبانيا والبرتغال وغيرها.

 

اقرأ/ي أيضًا:

التأقلم البريطاني مع جرائم السعودية.. احتياطات "بريكست"!

7 حجج وراء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي