ياسر أبو حامد/ سوريا

إن ما شهدته الساحة الإعلامية المغربية من ضجة لئيمة، حول أحداث من قبيل الحفل الذي أحيته المغنية جينيفر لوبيز في "مهرجان موازين"، ومنع فيلم "الزين للي فيك" لمخرجه نبيل عيوش عن العرض في القاعات السينمائية، وإلقاء القبض على فتاتي انزكان، والاعتداء على مثليّ فاس.. خير دليل على أننا لسنا في حاجة إلى نقاشاتٍ عقيمة تنبش في أصل ومنابع مفهوم الحرية، بقصد إظهار تناقضاته أو حدوده السيكولوجية، بقدر ما نحن أمام حاجة ملحة تفرض علينا الخوض في كيفية تحقّقِ الحرية وتجسيدها في مجتمعنا. من خلال مشروع يتيح لنا إمكانيات الانكباب على رصد تعبيرات ومعاني مفهوم الحرية، في مختلف مناحي الحياة الاجتماعية، في اللغة والسلوك والممارسات والشعارات.

نحتاج إلى الخوض في كيفية تحقق  الحرية وتجسيدها في مجتمعنا

آن الأون لتشييد مشروع نبحث من خلاله عن مخرج لثقافتنا المكلسة من الفضاء العقلي للقرون الوسطى، والدخول في الفضاء العقلي للعصور الحديثة، مشروع عنوانه الرئيسي هو: القيام بعملية نقذ جذري للتراث الثقافي العربي الإسلامي، مدركين في نفس الآن بأن هذه المهمة ليست بسيطة، بل ستنجم عنها تجارب مريرة، تتطلب معركة مفتوحة وشاملة، على عدة مستويات.

تبدو اليوم الحاجة ملحة إلى إحلال الرؤية الإنسانية العقلانية للعالم وللإنسان محل الرؤية اللاهوتية المنغلقة، وهذا يقتضي إعطاء قيمة للإنسان واعتباره غاية ومصدرًا للمعرفة، ويفتح آفاقًا جديدة لمعنى السعي البشري لإنتاج التاريخ. هذا هو الشرط الأساس لتحرير العقل من القيود التي كبلته على مر العصور، وبالتالي فتحه على التأويل الحر لذاته وللعالم.

إذًا، المهمة صعبة لأن الأمر يتعلق بالتفكيك أولًا قبل التركيب والبناء الجديدين. لا بد من تفكيك المسلمات الدوغمائية التي تفرض نفسها كحقيقة مطلقة تجثم على السجناء داخل السياجات المغلقة. ولأن الأمر يتعلق أيضًا بنظام سياسي هو نتاج لهذا المناخ الموبوء، نظام لا يمكنه إلا أن يخضع لسلطة هذه المسلمات الدوغمائية، ويقف بالمرصاد لكل محاولة تسعى إلى العمل الفكري والعلمي والاقتصادي المتواصل لإخراج الوطن من التخبط في التخلف والعشوائية.  

من هنا، تنبغي العودة إلى الأجواء الثقافية الغنية التي ظهرت خلال النهضة العربية الأولى، التي انقطعنا عنها، خاصة في مجال المعرفة والانفتاح والتفاعل مع تطور الإنسانية. تنبغي العودة إلى هذه النهضة والاعتماد عليها، خصوصًا في المجال المعرفي والتعمق في دراسة التراث العربي الإسلامي، خاصة في الفلسفة وعلم التاريخ وعلم الاجتماع.

لكننا سنجد أنفسنا عاجزين لا محالة عن تحقيق مطمحنا هذا، في غياب بنيات كفيلة باحتضان مواطن لا يخاف الحرية في ممارساته اليومية، مواطن يقوى على نزع القداسة عن السلطة السياسية والسلطة الدينية. ذلك أن الحرية، بمعناها الحديث، قيمة جديدة في مجتمعنا ولم تتأصّل بعدُ في الثقافة السائدة، وفي الممارسة العامة والخاصة. إذ لا زالت بنياتنا الاجتماعية الراكضة تنشئ الفرد على الذوبان في الجماعة، فلا يحقّ له أن يخالف الجماعة في رأي أو سلوك، ولا الخروج عن طاعة أصحاب السلطة بكل تمظهراتها: صغيرًا، هو ملزَم بطاعة الأبوين، وكبيرًا، مرغم على الانحناء أمام أولي الأمر في الشؤون السياسية، وعلماء الدين في الشؤون العقدية، لا يحق له تجاوز دائرة ما يفكر فيه النظام القائم.

لا تزال كاميرات الفضاء العمومي تخشى أن تضع المرأة في جيبها قدْرًا من الحرية

كما لا تزال المرأة هي البؤرة التي تركز عليها كاميرات الفضاء العمومي، مخافةَ أن تضع في جيبها قدْرًا من الحرية. لا يمكن لبنيات كهذه إلا أن تنتج لنا عقولًا مسيجة بأسلاك دوغمائية شائكة، تقف أمام كل محاولة تسعى إلى الخروج عن دائرة المفكر فيه.

من الصعب أن تأفل هذه البنيات ما دامت تحظى بالتأييد المادي والرمزي، المرئي واللامرئي، من قبل النظام السياسي المتأسلم العشائري المستبد، الذي يعمل جاهدًا على أن لا يؤمن رعاياه بالحرية فيطالبوا بحقوق المواطنة التي تضمن لهم، إلى جانب الحرية، المساواةَ والعدلَ والحقَّ في المشاركة الفعلية لا الشكلية في تسيير الشأن العام، بما يترتب على تلك المشاركة من قضاء على امتيازات الحكّام اللامشروعة، وعلى تصرّفهم دون وجه حق في ثروات شعوبهم وبلدانهم، نظام سياسي لا يتردد إزاء رهن مصائر رعاياه لدى القوى التجريمية التي تحميه.

يتضح لنا منطق التحالف المنظم بين رجال السياسة والدين "التسييس بالتوهيم الديني"، في تضليل الجماهير وتخديرها بأوهام وأحاديث موروثة أو ملفقة، للاستحواذ على الحكم بقوة العنف الرمزي وعمليًّا بقوة العنف المادي "الأمن، الجيش، الإدارة"، والمستور "المال، الإفساد، السمسرة"، والعنف المقدس "عنف الحاكمين"، والمدنّس "قتل المحكومين وهدر طاقاتهم". إذ يُضفي رجال الدين المشروعية على الأنظمة المتخلفة، في حين يتمتع في المقابل بحماية رجل السياسة وبعطائه السخي.

نحن في حاجة اليوم، أكثر من أي وقت آخر، إلى إعادة إنصات شديدة لأنفسنا المحسوسة واليومية، كما تعبر عن نفسها في بعدها البشري والكوني، بعيدًا عن أية أجوبة ثقافية نهائية حول من نكون أو ما يجب علينا أن نفعل؟ إن الانخراط في عصر الحرية لا يمكن أن يتم إلا إذا انتقلنا من ثقافة الأصالة إلى ثقافة الحرية، وأسّسنا حداثتنا على ذات بدون هوية مهما كانت طبيعتها عرقية أو دينية أو سياسية. كما أن حوار الهويّات غير ممكن لأن الأفق الوحيد للحوار هو الحوار بين الذوات الحرة.