رمضان كوقت مستقطع.. كيف يستغل مدربو كرة القدم أذان المغرب لإعادة شحن الفريق؟
23 فبراير 2026
على عكس كرة السلة أو الكرة الطائرة، والتي تمنح لأجهزتها الفنية رفاهية طلب أوقات مستقطعة لإعادة ترتيب أوراق الفريق مرةً أخرى، ترى كرة القدم في نفسها لعبة قائمة على السيولة والتدفق، وبالتالي لا يستطيع مدرب كرة القدم التواصل مع اللاعبين بشكل مباشر أثناء سير المباراة، رغم أنه في احتياج شديد له، ولذلك يحاول استغلال كل وأي فترة توقف، مهما كانت قصيرة، للتحدث مع اللاعبين بشكل مباشر.
من أبرز هذه التوقفات هي استراحة الإفطار، والتي أُقرت بالأساس بهدف السماح للاعبين المسلمين الصائمين بكسر صيامهم وتناول بعض السوائل الخفيفة أو التمر، لكن الأمر لم يمر مرور الكرام على المدربين بالطبع، الذين تعاملوا مع هذه اللحظات باعتبارها فرصة ذهبية لا تُقدر بثمن لتعديل شكل الفريق.
تحول إيقاف المباراة أثناء الإفطار في رمضان إلى وقت مستقطع بكل ما تحمله الكلمة، يمنح المدربين بعض الثواني لقلب موازين المباريات
فتحول إيقاف المباراة أثناء الإفطار إلى وقت مستقطع بكل ما تحمله الكلمة، يمنح المدربين بعض الثواني لقلب موازين المباريات، وتمرير تعليمات معقدة، أو تعديل هياكل الضغط والبناء في وقت يكون فيه الفريق بأمس الحاجة إلى إعادة ضبط المصنع مرةً أخرى، فمتى بدأت الظاهرة، وكيف استغلها المدربون؟
أوقفوا اللعب
لفهم الدوافع العميقة التي تجعل المدربين ينقضون على استراحة الإفطار، والتي لا تتعدى الدقيقة على الأكثر، بهذا الشكل، يجب أولًا تحليل الطبيعة المتطورة والمعقدة لكرة القدم، في العقود الماضية، كانت اللعبة أكثر بساطة ومباشرة، وتعتمد بشكل كبير على المهارات الفردية والتشكيلات الثابتة، أما اليوم، فقد تحولت إلى منظومات شديدة التعقيد، تشبه إلى حد بعيد رقعة الشطرنج، كل عنصر أو لاعب يعمل في نطاق محدد وبطريقة تحرك معينة، وبناء على معلومات مسبقة عن شكل الفريق وطريقة تمركزه.
وبالطبع فهذه الدرجة من الدقة تتطلب تعديلات تكتيكية ومكانية مستمرة تُقاس بالسنتيمترات والثواني، وتتطلب من اللاعبين استيعاب كم هائل من المعلومات بناءً على ردود أفعال الخصم، وفي ظل التعقيدات، والضجيج الجماهيري المصاحب للمباراة، يصبح من المستحيل عمليًا على المدرب إيصال أي تعليمات معقدة تتعلق مثلًا بتعديل زوايا الضغط، أو تغيير هيكل الفريق أو المراكز أثناء سير اللعب.
حيث صرح بيب جوارديولا نفسه بأن اللاعب عادة لا يفهم تعليمات المدرب أثناء المباراة، وكل هذا الضجيج الذي يحدثه المدرب، يكون عادة بغرض التنفيس والترويح عن النفس فقط لا غير، ما يعني أن الوقت الوحيد الملائم لتعديل شكل الفريق أو إعطاء تعليمات محددة يكون بين الشوطين، أي بعد مرور 45 دقيقة كاملة حدث فيها عشرات الأحداث واللقطات، وهو حل صعب للغاية، أما الحل الآخر هو أثناء توقف اللعب.
ولذلك فقد لجأ المدربون إلى ابتكار بعض الحيل لإيقاف اللعب عمدًا، حيث رصد الاتحاد الإنجليزي زيادة بنسبة 135% في الحوادث التي يمكن تصنيفها تحت مسمى "الأوقات المستقطعة المفتعلة"، خلال المواسم الخمسة الماضية فقط، ومنها على سبيل المثال ادعاء حراس المرمى للإصابة، أو تأخر وصول الطاقم الطبي.
ولذلك عندما وصل تشريع "استراحة الإفطار" إلى الملاعب، وجد المدربون أنفسهم أمام توقف قانوني، وشرعي، ويمنحهم نافذة مجانية لتطبيق نفس المبدأ دون الحاجة لافتعال إصابة حارس المرمى أو التحايل على القوانين، ما يعني وقتًا أكبر للحديث مع اللاعبين، وبالتالي قدرة أكبر على التحكم في سير المباراة.
وقد أظهرت دراسة أُجريت عام 2023 على 244 مباراة في الدوري البرازيلي لكرة الصالات، فُحص خلالها 735 طلبًا لأوقات مستقطعة، أن التايم أوت عندما يكون الفريق متأخرًا أو متعادلًا في النتيجة يؤدي إلى تحسن ملحوظ ومباشر في الأداء الفني، تحديدًا في الدقائق الثلاث التي تلي استئناف اللعب، والتي شهدت زيادة في محاولات التسديد، وانخفاضًا في معدل استقبال الأهداف، واحتمالية أعلى لتعديل النتيجة، ولكن هذا ليس التأثير الوحيد.
السقوط في بئر تمر
لا يقتصر التأثير الاستراتيجي لاستراحة الإفطار على مساعدة المدرب فقط، حيث أن القوة الحقيقية لها تكمن في التقاطع بين التأثيرات البيولوجية المباشرة والتأثيرات النفسية التي تحدث في تلك الدقيقة على اللاعبين، ما معنى ذلك؟
حسنًا، يواجه لاعب كرة القدم الصائم تحديات بدنية قاسية، باعتبار أن المباريات تتطلب مجهودًا بدنيًا خارقًا، ما يعني أن اللعب دون طعام أو ماء يؤدي بمرور الوقت إلى نضوب مخازن الجليكوجين في العضلات والكبد، مع انخفاض تدريجي في مستويات الجلوكوز في الدم، فضلًا عن خطر الجفاف الشديد، الأمر الذي يؤثر بشكل مباشر على الجهاز العصبي المركزي، ويقلل من سرعة رد الفعل، ويضعف الرؤية، ويشوش القدرة على اتخاذ القرارات التكتيكية المعقدة، والتي تحتاج إلى أجزاء من الثانية.
وطبقًا لورقة بحثية نشرها الدكتور فينسينت جوتابرج، المدير الطبي للنقابة الدولية للاعبي كرة القدم المحترفين، يجب على اللاعب الصائم تناول كربوهيدرات سريعة الامتصاص، مثل التمر، أو الموز، لرفع مستويات السكر في الدم فورًا عند لحظة الإفطار، وذلك بالتزامن مع تعويض السوائل المفقودة، ولذلك عندما يطلق الحكم صافرة إيقاف المباراة لغاية الإفطار، يحصل اللاعب الصائم على دفعة كيميائية حيوية عاجلة تعرف باسم Sugar Rush، تعيد له تركيزه المفقود وتمنحه طاقة سريعة وهائلة.
في اللحظة ذاتها، يستفيد بقية اللاعبين غير الصائمين من هذا التوقف القصير في جوانب أخرى؛ فهم يلتقطون أنفاسهم، وتنخفض معدلات ضربات القلب لديهم من الذروة إلى مستويات أكثر اعتدالًا، ويتناولون سوائل لتبريد الجسم، ما يعني منح الفريق بأكمله طاقة قوية في لحظات قد تكون الأكثر حرجًا وإرهاقًا في الشوط الأول أو الثاني، وعندما يمتزج هذا الانتعاش البيولوجي بتعليمات تكتيكية واضحة، يعود الفريق إلى الملعب بذهن صافٍ وعضلات مستعدة لتنفيذ تلك التعليمات بحذافيرها.