رمضان بيروت.. في الأحياء الشعبية غير

رمضان بيروت.. في الأحياء الشعبية غير

الطريق الجديدة تتحضر لرمضان (الترا صوت)

اختلفت المدينة عمّا كانت عليه المدينة، وانحسرت ملامحها عن أحيائها لتتشابه فيها الشوارع وتتطابق من جانبيها الأبنية الشاهقة. القريبة من الغيم، لكنها لم تلامسه بعد. كيف تعيش بيروت رمضان، الحالة والفريضة والتوق المديني إلى التقارب الإنساني الذي باعده الإسمنت؟ رحلة في أرجاء العاصمة تفيد بالمفيد، فيخبر غياب احتفالية الشهر الفضيل عن بعض الأماكن والشوارع عن حضوره الطفيف فيها، فيما تشي الزينة في عدد من الأحياء بأجواء رمضانية تتواصل على امتداد ساعات أيام الشهر الثلاثين.

وحدها المناطق الشعبية في لبنان تحافظ على ترحيبها المعتاد برمضان، لا تكلف نفسها إلا وسعها فتجود بالموجود وتعطي الشهر الزائر حقه

في العاصمة الفضفاضة حتى البحر والمترامية بضواحيها ونزوح أهاليها إلى المناطق المجاورة دون أن تزيد مساحتها الفعلية عن خمس وثمانين كيلومتراً، تبهت مظاهر الأعياد والمناسبات الدينية في نواحٍ دون أخرى. في الأحياء الراقية التي مسحت العمارات الفارهة عنها سماهها القديمة، طابعها، خضرتها، عوائلها.. لتحلّ محلّها جميعًا الأبنية التي يقطنها غرباء في تجاورهم رغم مرور السنين والمجمعات التجارية المتناسخة كما في بيروت كذلك في كل المناطق اللبنانية، لا بهرجة للشهر الضيف. كل ما في الأمر بضع لافتات تذكّر بفريضة الزكاة ومجسّمات متفرّقة من وحي المناسبة تُوزّع سنويًا لتضفي على المساحات المكتظة بالأبنية والسيّارات شيئًا من أجواء الشهر الفضيل.  

اقرأ/ي أيضًا: موائد رمضان في لبنان.. العز للتراث والدعوة مفتوحة

وحدها المناطق الشعبية تحافظ على ترحيبها المعتاد برمضان. لا تكلّف نفسها إلا وسعها. فتجود بالموجود وتعطي الشهر الزائر حقّه بالفرحة أوّلاً ثم بمظاهرها.

المصيطبة، البسطا الفوقا والتحتا، برج أبي حيدر، البربير، بربور... أحياء شعبية لا تزال اللهجة البيروتية الأصيلة ترنّ عند العبور في أزقتها في القلوب قبل الآذان، ولا تزال أبنيتها بالمجمل بعيدةً عن بهرج الزجاج والمعدن الذي يغيّب القناطر والشبابيك الخشبية الملوّنة بالأحمر أو الأخضر. ولا تزال مفاعيل وصيّة الرسول بسابع جار سارية حتى اليوم. في هذه الأحياء لرمضان جوّه الخاص. حميم كأنه لا يفارق الناس يومًا، وخفيف فتراهم يسألونه البقاء أكثر.

الخصوصية والحميمية للشهر الفضيل في بيروت تتضاعف في أحد أشهر أحيائها. الطريق الجديدة. الممتدة من حرج العاصمة مروراً بتخوم الضاحية الجنوبية لبيروت وصولاً حتى جسر الكولا، فجامع عبدالناصر بموازاة البربير.. هنا تتكاثف الهويّة البيروتية، لا بالمعنى الحسي فحسب بل بالتفسير المفهومي للأمور. بطرائق العيش ومناخات الأيّام اليسيرة والعسيرة في تعاقبها وتواليها، في الليل الذي يحلّ دون أن يعرف النوم.. فالعبادة وصلة الأرحام والتقارب ونفس الأرجيلة كل ذلك لا يترك للنوم مكاناً.

ولرمضان زينة مبهجة تستقبل الزوّار في الطريق الجديدة. فوانيس عُلّقت على حبال تصل طرفي الشارع بصورة متوازية وكأنها تظلّل المّارة نهاراً بشيء من الفرحة. وفي المساء تُعطي بإنارتها الجميلة قسطها كاملاً من الفرحة لسكان الحي وزوّاره، فتغتبط القلوب.

كل أحياء الطريق الجديدة تستعد لاستقبال الشهر الفضيل وتواكب أيّامه بجمالياتها الخاصة. بمواهب أبنائها في ابتكار الزينة، وفي إظهار فرحتها بما تحبّه وترتئيه.

تعج شوارع الأحياء الشعبية اللبنانية بـ"بسطات" المشروبات الرمضانية والحلويات التقليدية كما أنها تتميز بأسعارها المناسبة

الزينة التي تُرفع في الطريق الجديدة للترحيب برمضان خصيصاً تواكبها مظاهر أخرى، تغيب طوال العام ولا تظهر في الشوارع والطرقات إلّا في الشهر الكريم. كـ "بسطات" المشروبات الرمضانية المعدّة مباشرةً للزبون أو المحفوظة في الثلج لتكون أكثر إغراءً للصائمين في هذا الطقس الحار. الجلّاب وعرق السوس والتمر الهندي مشروبات بألوان قاتمة مع ذلك تظهر نقاوتها عن بعد من العبوّات البلاستيكية. أما عصائر الليمون والليموناضة ومنقوع المشمش فكلّما اشتد لونها، بانت جذّابة تبهر العين. أصحاب البسطات التي لا تباعد بينها إلا بضعة أمتار يتبارون على رفع الصوت والنداء، ورغم أن الأسعار تكاد تكون واحدة فيها كلّها فإن الفضل يبقى لطريقة العرض.. والرزق على الله.

بسطات عامرة بحلويات خاصة بالشهر الكريم (الترا صوت)

معتصم، نازح سوري، يساعد جاره في السكن في بيع عصائر الليمون والليموناضة. يغيب الجار لدقائق لتدبّر أمر ما بعد أن يكون قد عصر قطعاً من الليمون وعبّأها في زجاجات بلاستيكية، فيتولّى الصبي ذو العشر سنوات دفّة البسطة. يبيع ويقبض الثمن ليقدّمه لصاحب الرزق متى حضر، وينال هو في المقابل 5000 ليرة لبنانية (أقل من أربع دولارات) "بدل أتعابه".

بائع عصائر الليمون والليموناضة (الترا صوت)

في الطريق بين الأحياء والبنايات السكنية والأسواق التي تعجّ بها الطريق الجديدة تظهر أنواع مختلفة من الحلويات، بعضها تقليدي في هذا الشهر من العام وبعضها الآخر غير مألوف فيستوقف المارّة. إحداها "المشطاح" الذي يشبه الرغيف الممدّد طوليّاً والمغطى بالسّمسم والمزيّن بجوز الهند. حلوٌ هنا بعد طليه بمعجون المشمش أو بدبس العنب، ومالحٌ هناك لتناوله مع الأجبان والألبان في السحور. ولا حاجة للمناداة على البضاعة المعروضة على اللوح الخشبي، فالعين تستجيب لنداء الخبز اللذيذ قبل أن تسمع الأذن أي عبارة تنوّه به.

اقرأ/ي أيضًا: رمضان الشام.. شهر الغلاء واستذكار الغائبين

المحال التي تبيع الحلوى تكتظ قبل ساعات من رفع الآذان. فهنا في الطريق الجديدة متاجر تعدّ وتعرض الحلويات التقليدية بمهارة. متاجر أخرى تُعتبر علامة فارقة بما تشتهر به من حلويات، كالداعوق وحرفته في صناعة "الداعوقية"، وصفصوف الشهير بلائحة من الحلويات المتقنة والمعمول المحشوّ بالقشطة على رأسها.

أسعار الخضار والفواكه والحاجيات في الطريق الجديدة تبقى بمتناول الطبقة المتوسطة وما دونها طيلة أيام السنة. فسوق صبرا للخضار يحضر إليه سكان المنطقة والجوار لشراء حاجياتهم بأسعار مقبولة، وسط غلاء الأسعار في كل مكان.. فيهنأ الفقير بلقمة تسدّ رمقه دون أن تثقل كاهله، و"يتحلّى" دون أن يذوق مرارة الإنفاق على ما تشتهيه عائلته ومتى أقبل العيد لبس الجديد بكلفة "محمولة".          

اقرأ/ي أيضًا:

الإفطار في نهار رمضان عربيًا.. قوانين وأعراف مختلفة

4 إعلانات مصرية أثارت السخرية في رمضان