ركن الورّاقين (3): حيواناتٌ في محميّات الكتب

ركن الورّاقين (3): حيواناتٌ في محميّات الكتب

بعد أن يستعرض القزويني كل ما يريده من العجائب، يصل إلى الحيوانات (ألترا صوت)

ما الذي أخذ الحيوان إلى الغياب من مدونة الأدب العربي المعاصر، بعد عصور كان حضوره فيها تقليدًا راسخًا؟ كم من القصائد عن الأحصنة والجِمال؟ كم من الكتب تدور على ألسنة البهائم؟ لماذا تغيّرت النظرة العربية المعاصرة إلى الحيوانات، باستثناء البيئات التي تعتمد عليه في معاشها، بعدما كانت العلاقة تأخذ منحى وجوديًّا كما في تلك الصداقة الأسطورية بين العربيّ والحصان؟ أهي تغيّرات الحياة نفسها؟ أم تراجع في المنظور الأخلاقيّ العام؟

تلك الأسئلة لا تنتهي، لكن ذلك لا يمنع من وجود نوعيّ لتجارب تعتمد على الحضور الحيوانيّ كما في قصائد سليم بركات، أو قصص محمد المخزنجي، أو روايات إبراهيم الكوني.

مع هذا وذاك، ما كُتب في الماضي عن الحيوان يستحق العودة تلو العودة.


كتاب الحيوان

"كتاب الحيوان" للجاحظ سفر أدبيّ وعلميّ وتاريخيّ، عرف طبعات عديدة منذ ظهرت طبعته العربية الأولى في القاهرة بدايات القرن الماضي.

كتاب يشتمل على هو ديني وأدبي واجتماعي، ويعكس صورة العصر العباسي الذي عاش فيه الجاحظ، الذي يجمع الشعر والآيات القرآنية والحديث النبوي والحكمة العجيبة والنادرة الغريبة والخرافة.

يحوي الكتاب ما هو اجتماعي وتاريخي وجغرافي واقتصادي. اعتمد الجاحظ على الاستقراء القائم على الملاحظة والتجربة والاختبار.

كان الكتاب نقلة نوعية في الكتابة العربية، فمن جهة كانت الكتابة عن الحيوان من قبل تقتصر على تقديم مادة لغوية عن حيوانات كالخيل والإبل والشياه، إلا أن كتاب الحيوان كان مختلفًا من حيث تقديمه فكرًا شموليًا.

كما تناول عدة قضايا هامة، التاريخ العربي، الصراع الفكري بين المعتزلة وأنصار النقل، والصراع العربي مع الشعوبيين، من خلال إيراد ذلك عبر حكايات عن طائر أو حيوان.

يقول ناجح سالم موسى المهنا: "لا يتركُ الجاحظُ أيّة فرصةٍ تتهيأ لهُ إلاّ استغلها للانتقال من عالم الحيوان إلى عالم الإنسان من خلال إيراده الأخبار والأشعار وكلّ ما له ارتباط بموضوع الحيوان الذي هو بصدد الحديث عنه، وحافظ في كتاب الحيوان على صفة الأديب التي عُـرف بها، وإنْ تعامل مع موضوعٍ علمي. كما حافظ على منهج المزج بين الجد والهزل وهو منهج عُـرف به وسار عليه مَنْ جاء بعده من أعلام التراث الأدبي العربي".

حياة الحيوان الكبرى

ألف "حياة الحيوان الكبرى" كمال الدين الدُّميري الذي ولد في مصر، وقد تسمّى بذلك نسبةً إلى بلدة دُميرة. الكتاب معجم لأسماء الحيوان بالدرجة الأولى، يتضمن بحوثًا صرفية ودلالية تتعلق بكل اسم، كما يشتمل على مسائل نحوية متفرقة. وقد حشد فيه الدميري كل ما يخص أي كائن ذي روح، ورتّبه ترتيبًا معجميًا، وفي كل فصل يضع عن الحيوان المقصود كل ما وصل إليه من معلومات. كما يتناول التصريف اللغوي للفظ هذا الحيوان ومعانيه، ثم يأتي إلى الحكم الديني بخصوص أكله، ويورد كذلك التفسيرات التي تعنيها رؤيا حيوان معين في المنام.

يحتوي على مادة تاريخية مهمة جدًا عن تفاصيل واسعة عن مختلف الحياة السياسية والعسكرية والإدارية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية للمجتمع العربي، منذ أقدم الأزمنة التاريخية وحتى فترات متأخرة بعد سقوط الدولة العباسية، قد يوحي عنوان الكتاب أنه يختص بذكر أنواع الحيوانات وصفاتها وطباعها وطريقة عيشها وعاداتها وتقاليدها، وكل ما يتعلق بها من قريب أو بعيد، لكن من يتصفح الكتاب بدقة وبإمعان يقف على قصص وروايات وحكايات وأشعار عن حياة الخاصة من الناس وعوامهم منذ قديم الزمان كالأخبار المتعلقة بحياة الرسل والأنبياء، وأخبار وعادات وتقاليد العرب قبل الإسلام، ونصوص مهمة جدًا عن عصر الرسول.

عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات

كتاب "عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات" لزكريا القزويني كتاب علمي وقد ترجم إلى لغات عديدة، يعد هذا الكتاب من أشهر الكتب التي ألفت في العجائب. كان القزويني قد ترك قزوين ورحل الى دمشق واتصل فيها بالفيلسوف المتصوف ابن عربي، ثم انتقل الى بغداد، وشهد سقوطها على ايدي المغول. كان القزويني قاضيًا إلى جانب انشغالاته العلمية.

قسّم القزويني قسم كتابه الى قسمين أساسيين: العلويات والسفليات، جاءا بعد عدة مقدمات أوضح فيها مرامي الكتاب العامة ومقاصده. في مقالته الأولى "العلويات" حديث عن عجائب السماء والشمس والكواكب والأفلاك والروج، أما في الثانية "السفليات" فقد تناول كل ما هو دون الفلك، من الهواء والأمطار والسحب والجبال والنهار والحيوان.

يؤخذ على الكتاب إيراده لبعض الخرافات التي كانت شائعة في زمن مؤلفه، لكنه يتميز بسلاسة العرض وكثرة النقل عن الآخرين.

بعد أن يستعرض كل ما يريده من العجائب، يصل إلى الحيوانات كالدواب والنعام والسباع والطيور والهوام، كما يتناول بعض الحيوانات اللافقارية كالحلزون والعنكبوت، ومن الجميل أن هناك جزءًا خاصًّا يتحدث فيه عن خواص أجزاء كل حيوان، ساردًا الفوائد الطبية العلاجية لبعض هذه الأجزاء. ثم يتحدث عن عملية التهجين، وينهي الكتاب بسرد بعض العجائب التي لا تصدق عن حيوانات غريبة.

اقرأ/ي أيضًا:

ركن الورّاقين (1): أنطولوجيات الأسلاف

ركن الوراقين 2: الجغرافيون الأوائل