ركن الورّاقين: نهضة مصر

ركن الورّاقين: نهضة مصر

تصميم بنان شكارنة

بدأت أسباب النهضة تتوفر في القرنين التاسع عشر والعشرين في مصر، وحلت الحركة محل الجمود، واتسع نطاق التجارة والبعثات الثقافية، حتى من قبل وصول الحملة الفرنسية، إلا أنه لما استقر الأمر لمحمد علي أدرك أنه لا بد له من أجل ترسيخ نظامه الجديد من النقل عن الغرب، وإرسال البعوث العلمية إلى أوروبا، وهي الحركة التي ستصاب بالانتكاس مع وصول عباس الأول إلى الحكم في مصر، ليعاد الانتعاش في عهد إسماعيل الذي انتعشت في عهده حركة الترجمة والتأليف متمثلة في رفاعة الطهطاوي وصحبه.

تأسست الصحف والمجلات، وأنشئت المدارس والجامعات، لكن النهضة عادت إلى الانتكاس، وانقطعت الصلات العضوية معها في الثقافة العربية المعاصرة التي تبنت الحداثة. هنا عودة إلى بعض ملامح النهضة في مصر


1. عجائب الآثار في التراجم والأخبار

كان عبد الرحمن الجبرتي (1754 - 1825) أول من عمل على إحياء حركة التأليف التاريخي في مصر، بعد أن توقفت في القرون الـ16 و17 و18، فتابع الكتابة التاريخية بعد ابن إياس وابن زنبل الرمّال.

شهد مقدم الحملة الفرنسية ومن وقع في مصر خلالها وبعدها، وشهد الصراع الذي أدى إلى حكم محمد علي.

بدأ الجبرتي بجمع مادة كتابه "عجائب الآثار في التراجم والأخبار" قبل نزول الحملة الفرنسية، وهو يؤرخ لمصر في القرن الثامن عشر (الـ12 هـ)، والربع الأول من القرن التاسع عشر (الـ 13 هـ)، وقد وصف طريقة تأليفه له في مقدمته بقوله: "إني كنت سودت أوراقًا في حوادث آخر القرن الثاني عشر وما يليه من أوائل الثالث عشر الذي نحن فيه جمعت فيها بعض الوقائع إجمالية وأخرى محققة تفصيلية، وغالبها محن أدركناها وأمور شاهدناها واستطردتُ في ضمن ذلك سوابق سمعتها ومن أفواه الشيخة تلقيتها وبعض تراجم الأعيان المشهورين من العلماء والأمراء المعتبرين، وذكر لمع من أخبارهم وأحوالهم وبعض تواريخ مواليدهم ووفياتهم، فأحببت جمع شملها وتقييد شواردها في أوراق متسقة النظام، مرتبة على السنين والأعوام، ليسهل على الطالب النبيه المراجعة ويستفيد ما يرومه من المنفعة".

عني الجبرتي بأمرين في تاريخه، تسجيل الأحداث، والترجمة للعلماء والأمراء المعتبرين، كما يبدو أنه عزم على أن يقوم بكتابة مقدمة موجزة لتاريخ مصر، منذ الفتح العثماني إلى زمنه.

عجائب الآثار في التراجم والأخبار

2. تلخيص الإبريز في تلخيص باريز

كتاب "تخليص الإبريز في تلخيص باريز" للشيخ رفاعة رافع الطهطاوي (1801 - 1873) رسالة كان الباعث على كتابتها هي فترة السنوات الخمس التي قضاها الطهطاوي في باريس، وما أثّرت فيه أشكال الحياة الفرنسية الحديثة.

ولد الطهطاوي في مدينة طهطا، ونشأ نشأة متواضعة، وأتم دراسته في الأزهر. كان أحد الأثمة الثلاثة للبعثة العلمية التي أوفدها محمد علي إلى فرنسا سنة 1826، فأتقن الفرنسية، وفهم الغرب فهمًا واعيًا، وشهد خلال فترة إيفاده أحداثًا سياسية هامة، لذا وصفها في كتابه وحاول أن يوائم بين أسلوب حياة الغرب وحياة بلاده، حين بيّن أن روح هذه المبادئ ينطوي عليها الإسلام.

كان للتجربة الباريسية أكبر التأثير عليه، رغم قصرها، ذلك أنه كان إنسانًا منفتحًا على علوم العصر، فراح يتحدث عن المفاهيم الجديدة التي اكتسبها، فسمّى التطور الاجتماعي بالتمدن، وقسمه إلى قسمين: مادي ومعنوي. كما أنه وضع مفهومًا للشرف الذي كان معروفًا في البيئة العربية بوصفه صفة يتوارثها الإنسان عن طريق النسب، ليصبح الأمر متعلقًا بالبذل والعطاء في سبيل المجتمع.

تلخيص الإبريز في تلخيص باريز

3. الخطط التوفيقية الجديدة

علي مبارك (1823 - 1893) رائد في ميدان التأليف التاريخي، درس في باريس الهندسة العسكرية، لكنه إلى جوار اختصاصه أولع بالتاريخ.

ورغم مؤلفاته الهندسية يبقى كتابه الكبير هو "الخطط التوفيقية الجديدة" الذي خرج في عشرين مجلدًا، وطبع في مصر.

فن تأليف الخطط فن نشأ في مصر، وكان آخر من كتب فيه هو تقي الدين المقريزي الذي ألف "المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار" (يُعرف اختصارًا بـ الخطط المقريزية) في القرن الخامس عشر الميلادي.

سار مبارك على نهج المقريزي، واستعرض مدن مصر وقراها، وأثبت ما أصابها من تغير أو تطور، وكان نهجه في التأليف نهجًا علميًا موثقًا، اعتمد على المراجع العربية القديمة، وعلى المراجع الفرنسية على السواء، كما اطبع على آخر المكتشفات الآثارية في عصره.

الكتاب يعرض لطبوغرافية المدن والقرن المصرية منذ أقدم العصور، ويصف خططها ومبانيها ومرافقها العامة، ومساجدها وكنائسها ومصانعها وحماماتها، وما نالها من يد التغيير.

الخطط التوفيقية الجديدة

اقرأ/ي أيضًا:

ركن الورّاقين: خزائن الجنس والشهوة

ركن الوراقين: معاجم الألفاظ