ركن الوراقين: ابن خلكان وقصص العيد

ركن الوراقين: ابن خلكان وقصص العيد

تصميم ألترا صوت

ألترا صوت- فريق التحرير

"وَفَيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان" من أشهر كتب التراجم، ومن أحسنها ضبطًا واٍحكامًا. وضعه ابن خلكان الذي ولد في اٍربيل، وأقام في مصر مدة وتولى نيابة قضائها، وسافر اٍلى دمشق، فولّاه الملك الظاهر قضاء الشام، وعُزل بعد عشر سنين. فعاد اٍلى مصر فأقام سبع سنين، وردّ اٍلى قضاء الشام، ثم عُزل عنه بعد مدة، وولي التدريس في كثير من مدارس دمشق، وتوفي فيها ودفن في سفح جبل قاسيون.

نجمع ههنا مقتطفات من السفر الكبير حول العيد.

1

قال أبو عبد الله المحاملي: صليت صلاة العيد يوم فطر في جامع المدينة، فلما انصرفتُ قلت في نفسي: أدخل إلى داود بن علي فأهنيّه، وكان ينزل قطيعة الربيع؛ قال: فجئته، وإذا بين يديه طبق فيه أوراق هُندباء وعصارة فيها نخالة وهو يأكل، فهنأته وتعجبت من حاله، ورأيت أن جميع ما نحن فيه من الدنيا ليس بشيء، فخرجت من عنده ودخلت على رجل من محبي الصنيعة يقال له الجرجاني، فلما علم بمجيئي خرج إلي حاسر الرأس حافي القدمين، وقال لي: ما عني القاضي أيده الله؟ قالت: مهم، قال: وما هو؟ قلت: في جوارك داود بن علي، ومكانه من العلم ما تعلمه، وأنت فكثير البر والرغبة في الخير تغفل عنه، وحدثته بما رأيت منه، فقال لي: داود شرس الخلق، أعلم القاضي أنني وجهت إليه البارحة ألف درهم مع غلام ليستعين بها في بعض أموره فردها مع الغلام وقال للغلام: قل له: بأي عين رأيتني؟ وما الذي بلغك من حاجتي وخلتي حتى وجهت إلي بهذا؟ قال: فتعجبت من ذلك وقلت له: هات الدراهم فإني أحملها إليه، فدفعها إليّ ثم قال: يا غلام، الكيس الآخر، فجاءه بكيس فوزن ألفًا أخرى، وقال: تلك لنا وهذه لموضع القاضي وعنايته، قال: فخرجت وجئت إليه، فقرعت الباب فخرج وكلمني من وراء الباب وقال: ما رد القاضي؟ قلت: حاجة أكلمك فيها، فدخلت وجلست ساعة، ثم أخرجت الدراهم وجعلتها بين يديه، فقال: هذا جزاء من ائتمنك على سره، أنا بأمانة العلم أدخلتك إلي، ارجع فلا حاجة لي فيما معك. قال المحاملي: فرجعت وقد صغرت الدنيا في عيني ودخلت على الجرجاني فأخبرته بما كان، فقال: أما أنا فقد أخرجت هذه الدراهم لله تعالى، لا أرجع في شيء منها، فليتول القاضي إخراجها في أهل الستر والعفاف على ما يراه القاضي.

 

2

روى المسعودي في كتاب "مروج الذهب" أن الواقدي المذكور قال: كان لي صديقان أحدهما هاشمي، وكنا كنفس واحدة، فنالتني ضائقة شديدة، وحضر العيد فقالت امرأتي: أما نحن في أنفسنا فنصبر على البؤس والشدة، وأمّا صبياننا هؤلاء فقد قطعوا قلبي رحمة لهم، لأنهم يرون صبيان الجيران قد تزينوا في عيدهم وأصلحوا ثيابهم وهم على هذه الحال من الثياب الرثة، فلو احتلت في شيء تصرفه في كسوتهم، قال: فكتبت إلى صديق لي وهو الهاشمي أسأله التوسعة عليّ بما حضر، فوجه إليّ كيسًا مختومًا ذكر أن فيه ألف درهم، فما استقر قراري حتى كتب إليّ الصديق الآخر يشكو مثل ما شكوت إلى صاحبي الهاشمي، فوجهت إليه الكيس بحاله، وخرجت إلى المسجد فأقمت فيه ليلتي مستحييًا من امرأتي، فلما دخلت عليها استحسنت ما كان مني ولم تعنّفني عليه، فبينا أنا كذلك إذ وافى صديقي الهاشمي ومعه الكيس كهيئته، فقال لي: اصدقني عما فعلته فيما وجهت به إليك، فعرفته الخبر على وجهه، فقال لي: إنك وجهت إليّ وما أملك على الأرض إلا ما بعثت به إليك، وكتبتُ إلى صديقنا أسأله المواساة، فوجه كيسي بخاتمي، قال الواقدي: فتواسينا ألف درهم فيما بيننا، ثم إنا أخرجنا للمرأة مائة درهم قبل ذلك، ونمي الخبر إلى المأمون، فدعاني وسألني، فشرحت له الخبر، فأمر لنا بسبعة آلاف دينار، لكل واحد منا ألفا دينار وللمرأة ألف دينار.

 

3

دخل عليه {على المعتمد بن عبّاد} يومًا بناتُه السجنَ، وكان يوم عيد، وكن يغزلن للناس بالأجرة في أغمات، حتى إن إحداهن غزلت لبيت صاحب الشرطة الذي كان في خدمة أبيها وهو في سلطانه، فرآهن في أطمار رثة وحاله سيئة، فصدعن قلبه وأنشد:

فيما مضى كنتَ بالأعياد مسـرورا            فساءك العيد في أغمات مأسورا

ترى بـنـاتـك فـي الأطـمــار جـــائعةً          يغزلن للـنـاس لا يمـلـكـن قـطـمـيرا

برزن نـحـوك لـلـتـــســلـيم خـــاشعةً      أبـصـارهـن حـســـيراتٍ مكاســـيرا

يطـأن فـي الـطـين والأقـدام حـافـيةٌ           كأنـهـا لـم تـطـأ مـسـكـًا وكافورا

 

اقرأ/ي أيضًا:

ركن الورّاقين.. "الملل والنحل" للشهرستاني.. عالم الأديان والعقائد

ركن الورّاقين: "القانون في الطب" إنجيل أطباء العالم