رقصة العبيد في حلب

رقصة العبيد في حلب

تؤمن لهم عبوديتهم الاتكالية والراحة ويلقون باللوم على من طالب بالحرية (أ.ف.ب)

"إن الإنسان عدو ما يجهل"، هذا ما بدا جليًا بعد انتهاءِ كل معركة في سوريا، انتصارات زائفة للضحايا، هم الذين يخافون ومن شدة خوفهم صاروا أعداء أنفسهم وحريتهم. على وقع الموت والخوف المتكرر والمعتاد يقولون "انتصرت حلب"، على من انتصرت ومن المنتصرون؟.

إن في الحرية مسؤولية واستقلالية، وبينما تؤمن لهم عبوديتهم الاتكالية، يلقون باللوم على من طالب بالحرية بحجة أنهم "خربوا البلد"

قبل الإجابة يبدو من الضروري أن نلقي نظرة على المحتفلين والمهللين لشكل هذا الانتصار وجوهره، هل هم السوريون الذين لم تقم قيامتهم بعد، أو من أرادوا المحاباة للجلاء حتى يسلموا من مآزقهم، والذين لم يكن من السهل عليهم رفض حالة الاستبداد والعبودية، التي وضعوا أنفسهم فيها والتفكير بحالة الحرية التي يدفع آخرون ثمنها غاليًا؟.

اقرأ/ي أيضًا: حلب وتدمر.. حسابات داعش ومعسكر الأسد

إن في الحرية مسؤولية واستقلالية، وبينما تؤمن لهم عبوديتهم الاتكالية والراحة، يلقون باللوم على من طالب بالحرية بحجة أنهم "خربوا البلد" فيخرجون محتفلين بعد المعارك التي يروح ضحاياها بالآلاف.

في واحدة من الفيديوهات التي نشرتها إحدى المحطات الإعلامية التابعة للنظام، عن خروج المدنيين من حلب عبر ممرات إنسانية أمنها لهم الجيش على حدّ قولهم. يبدو هؤلاء المستضعفين ممن تُركوا لسنواتٍ في ضيق وحصار، راكضين مسرعين باتجاه الكاميرا يحيون الجيش الذي أنقذهم، يصافحون المذيع الذي باتت شهرته تفوق الوصف. ما الذي يمكن وصفه في سلوك هؤلاء، ألم تقسى قلوبهم تلك السنوات على جلادهم، هل لا يزالون بالقدرة نفسها على الرضوخ والاستكانة؟.

يمكن "لمتلازمة استوكهولم" أن تجيب نفسيًا عن سؤال هذا التماهي وحدوث هذه الظاهرة النفسية مع الكثير من السوريين، الذين كانوا يرقصون ويحيون ويهللون، والتي تعتبر إحدى الظواهر النفسية التي تصيب الفرد المتعاطف والمتعاون مع عدوه وجلاده، بأي شكل من الأشكال، فيظهر بعض علامات الولاء كالتعاطف والانصياع، كترابط عاطفي قوي يتكون بين شخصين أحدهما يضايق ويعتدي ويهدد ويضرب ويخيف الآخر بشكل متقطع ومتناوب. فكيف إذا كانت الحالة معممة على شعب يواجه نظامًا استبداديًا؟.

هل هم الحلبيون ممن لم يشتركوا بهذه الحرب ولم يكن لهم فيها بيت مهدم وابن مقتول وآخر منفي؟ هل حقًا يوجد مثل تلك النماذج التي لم ترف لها الحرب جفنًا؟ تلك المعارك التي فصلت حلب وأهلها إلى نصفين شرقية وغربية، قسمت معها الحكاية إلى حكايتين واحدة مستمرة بالتنديد لعلها تنشد حريتها، وأخرى تستمر بالقبول وتستكين للصمت والموت.

فصلت المعارك حلب وأهلها إلى نصفين شرقية وغربية، قسمت معها الحكاية إلى حكايتين واحدة مستمرة بالتنديد وأخرى تستمر بالقبول

إلى جانب آخر إذا قمت بجولة على فيديوهات المنتصرين المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي، سيلفت نظرك أن من يحتفل محروم من الكهرباء وربما الماء وأمور أخرى، تبدو الصور القادمة من هناك معتمة ومرفقة بالكثير من الصراخ غير المفهوم أحيانًا، هو انتصار جلادهم عليهم حقًا ما جعلهم يطلقون العنان لصراخهم؟ لربما كان التهليل من أصل الفعل.

اقرأ/ي أيضًا: حلب.. المعارضة تخسر ملحمتها الكبرى

لا نزال نتذكر كم كانت حلب عصية على الثورة كما بقيت عصية على الانكسار، هذه المدينة التي لم تدخلها المظاهرات إلاّ بعد عام تقريبًا من مدنٍ سورية أخرى. كما أنها لم تهدأ كما هدأت وصمتت باقي المدن. هل يعلم المحتفلون بحالة تدمر اليوم، وعلى ماذا نحتفل يقول أحدهم "إذا كنا نحن الخاسرين الوحيدين في هذه الحرب".

لربما القراءة الطبقية للثورة السورية تنفع في فهم هذا الولاء الأعمى والمطلق للجلاد، بأخذ شريحة معينة من الشعب السوري وفي مناطق معينة. تحديدًا الطبقات المُهمشة الفقيرة وبالتالي غير المستفيدة من النظام ماديًا وسياسيًا، بقيت مبعدة ومهمشة من الصورة الكلية للمجتمع السوري.

فنلاحظ أن أكثر ما يثير الدهشة هو أن معظم هذه المناطق والتي لم تطالب بثورتها وحريتها، تبدو الشريحة الموالية فيها أكبر بكثير من مناطق أخرى استفادت من النظام وحظيت بمركزية ما. إذًا فلماذا يدافع الفقراء والمستضعفون عن النظام بعد معاركه التي لهم فيها ضحايا ومتضررون؟.

يعتبر الفرد (الضحية) أن جلاده هو منقذه الوحيد وذلك نتيجة جهله وتجهيله الإجباري، يتكل كليًا على جلاده فيصبح تابعه وملكه، وهنا تبدو الصورة جلية في النظام الدكتاتوري وشعبه المهمش، حين يرفض الأخير حريةً قد تتطلب منه إمكانيات كبيرة، ويقبل بالرضوخ الذي يبدو أسهل، فتكون حلقات الرقص والصراخ نتيجة حتمية لكل هذا الخوف.

اقرأ/ي أيضًا:

جحيم حلب.. على نار "المفاوضات" الروسية

حلب.. معركة الأرض المحروقة