رغم ذلك أحبّ دمشق

رغم ذلك أحبّ دمشق

لماذا كلّ هذا يا الله، نحنُ نحبّك ونؤمنُ بك (Getty)

عامان يفصلاني عن دمشق، المدينة التي أحببتها من النظرة الأولى، والتي توقفتْ بعدها عن حبّ المدن، كانت آخر مرة عند تقاطع حرستا القابون، مع بساتين برزة، حيث رأيت بأمّ عيني أوّل قصفٍ علنيّ للطيران المروحيّ. سهرنا على أزيزِ الرصاصِ الذي أُتبعَ بدعمٍ جويّ وقصف طاحن لحرستا والقابون، انتهت صباحًا بصاروخين على غرفتنا التي هربنا منها قبل القصف بلحظات.

أقطع الحواجز ويدي السريّة على قلبي العلنيّ، أمي بجانبي تتمتم بدعاءِ العجائزِ الذي لا يفهمه إلا الله

أقطع الحواجز ويدي السريّة على قلبي العلنيّ، أمي بجانبي تتمتم بدعاءِ العجائزِ الذي لا يفهمه إلا الله، ويستجيب له. ترتيب اصطفافِ الحواجزِ وقربها من بعضها، يوهمك أن اتفاقًا ما مدبّر بين الفصائل المتقاتلة علينا، فالمسافة بين كلّ حاجز وآخر لا توحي بأنّ خطبًا ما حدث ولا يزال يحدث.

اقرأ/ي أيضًا: المعتقلون قضية وليسوا ملفًا.. تلك هي المسألة!

الهاتف النقّال يمكن أن يُذهب برأسي عند كلّ الحواجز، مسحتُ كلّ الأغاني، إضافة لتراتيل الثورة خوفًا من حواجز داعش، فالغناء حرام، وبالأخص أغاني الثورة، أزلتُ صور الشهداء خوفًا من حواجز النظام، فالشهداء مخرّبون، وتركتُ صورةَ أخي التي كنتُ مستعدًا أن أدفع ثمنها كي أوفي قليلًا من ثمن خيانتي له.

لا شيء واضح على طريق الشام، حُبلى بالعمى، بـ"لا" التي تسبقُ كلّ شيءٍ فتنفيهِ، لا قصائدَ، لا مدن، لا جميلات، ولا شمسَ تُحرق كي أُسدلَ ستارة الحافلة وأحجب الرؤية، هي محجوبة بفعل الدخانِ الذي يُلخّص كل شيء، إنّها عادةُ النارِ حينَ تصعدُ من الجحيمِ إلى الأعلى، تمامًا لو حدثَ خطبٌ ما وصعدنا إلى الجنّة. 

وصلنا كراج العباسيين بعد اجتياز الحاجز الأخير، قلبي لم يعد يخفق خوفًا، باتَ ينزفُ ذكرى، لم أرَ حرستا، رأيتُ أكوامًا من التراب تصطفُّ كرتلٍّ عسكريّ، رأيتُ نصفَ القابونِ واقفًا ونصفه الآخر ذهبَ في رحلةٍ ما، رأيتُ الشمس "مطفأةً كسيجارة"، يسيلُ من خيوطها دم أسود، رأيتُ... لا.. لم أعدْ أرى، مسحتُ نظارتي مرتين، وفي الثالثة تراءى لي وجه دمشقَ من نافذة الميكرو، شاحبًا، كوجه عجوزٍ ترفضُ أنْ تصدّقَ الحرب، الجراح تسيل من الجهاتِ الخمس، حيثُ السماءُ جهة العبور المفتوحة، الموت علنيّ في كلّ مكانٍ، حتى في محرابِ الله، وحتى باسمه. لماذا كلّ هذا يا الله، نحنُ نحبّك ونؤمنُ بك، صدقّني حتى المُلحد السوريّ يؤمنُ بك سِرًّا، إلى درجةِ أنّني ظننتُ يومًا ما أنكَ لنا وحدنا، وظنوا أنّكَ لكلّ العالمينَ إلانا، لماذا يا الله؟

اقرأ/ي أيضًا: سوريا.. من عصر الطاغية إلى عصر الطغاة

هل يخافُ المرءُ من اسمه؟ نعم يخاف، كلّ سوريّ يمرّ بـ"حاجزٍ وطني"، يبدأ بالدعاء لاسمِهِ، وعليه

يسهبُ سائقُ الميكرو بحديثٍ ما، بُغيةَ أنْ ننسى القصفَ الدائرَ خارجًا، والواضح من خلالِ الأعمدة السوداء، أقاطعُهُ مُتسائلًا: "عمو ليش هيك صار؟". نظر إليّ، كنتُ أبكي بصمتٍ اعتدناه، نحن نبكي بصوتٍ عالٍ فقط عندما نولد، بعدها تقطعُ الداية حبل السرّة، إذ في خلقنا -نحنُ السوريّين فقط- حبل السرّة هو مجموعُ الحبالِ الصوتيّة. حاول أن يجيبَ عن سؤالي المتكرّر على لسان البلاد، لكنّ شيئًا ما خنقَ الإجابةَ، تلعثمَ، حاولَ مرةً أخرى ثم استسلم للصمت، عينهُ اليمنى من جهتي تعرّقتْ، سكتَ مسافةَ نصفِ ساعة، لم يتفوّهْ بحرفٍ واحد، كلّ شيءٍ فيهِ اختنقَ، ككلّ شيءٍ في هذه المدينة.

وصلنا، بعد أن ضربَ اسمي عرض الشبكات الإلكترونيةِ ولم يلتقطه أحد، هل يخافُ المرءُ من اسمه؟ نعم يخاف، كلّ سوريّ يمرّ بـ"حاجزٍ وطني"، يبدأ بالدعاء لاسمِهِ، وعليه، فإنْ حدثَ تشابهٌ بسيطٌ سيدفعُ الثمنَ غاليًا لذنبٍ لا دخلَ لهُ به. أحاورُ اسمي، ماذا لو مات أبو طالب قبلَ أن يتزوّج، هل ستنجبُ حروفك الثلاثة كلّ هذي الحروب؟ هل سأخسر أخي برنة هاتفٍ نقّال؛ ماتَ علي؟ وهل سيظلّ ما بيني وبين دمشق رابط واحد؛ الثلاجة. 

قطعتُ الطريق فقطعني، نصفيَ الأولُ شردَ كغزالٍ أصابتهُ ذئبةٌ، وماتبقّى منّي أصيبَ بالبرزخ، أمسك القلم، أتدرّب على كتابة اسمي كي لا أنساه، يسيلُ الدم من بكارةِ المعنى، تصفقُ النسوة حولي، ويعوي الرصاص، فأصرخ كالمجنون: أنا أكره الجغرافيا، وأحبُّ دمشق.

اقرأ/ي أيضًا:

مزاد القتلى

كيف تحاول السلطة المصرية ملء فراغ الإسلاميين؟