رغم تراجع الأرقام.. الهجرة غير النظامية نحو إسبانيا لا تزال قاتلة
2 يناير 2026
على الرغم من تسجيل تراجع ملحوظ في عدد المهاجرين الذين لقوا حتفهم أثناء محاولتهم الوصول إلى إسبانيا خلال عام 2025، فإن منظمات حقوقية تحذّر من قراءة هذه الأرقام بمعزل عن سياقها السياسي والأمني. فخلف الانخفاض الظاهري، تتوارى سياسات أكثر تشددًا دفعت آلاف المهاجرين إلى سلوك طرق بحرية أشد خطورة، في مشهد يعكس تحوّل إدارة الهجرة إلى مسألة أمنية بحتة، على حساب الحق في الحياة والحماية.
أرقام أقل… لكن الكلفة الإنسانية مستمرة
وفق تقرير منظمة (Caminando Fronteras)، فقد غرق 3.090 مهاجرًا بين كانون الثاني/يناير ومنتصف كانون الأول/ديسمبر 2025، من بينهم نساء وأطفال، في محاولات عبور البحر نحو إسبانيا.
ورغم أن هذا الرقم يُعد أقل بكثير من حصيلة عام 2024، التي تجاوزت 10 آلاف وفاة، فإن المنظمة تؤكد أن انخفاض عدد الضحايا لا يعني تحسنًا في ظروف الهجرة أو تعزيزًا لآليات الحماية.
فالتقرير يسجّل ارتفاعًا مقلقًا في عدد حوادث الغرق، مع اختفاء عشرات القوارب من دون أي تدخل لإنقاذها، ما يشير إلى هشاشة منظومات الاستجابة، واستمرار التعامل مع المهاجرين باعتبارهم "مشكلة أمنية" لا أولوية إنسانية.
وفق تقرير منظمة (Caminando Fronteras)، فقد غرق 3.090 مهاجرًا بين كانون الثاني/يناير ومنتصف كانون الأول/ديسمبر 2025، من بينهم نساء وأطفال، في محاولات عبور البحر نحو إسبانيا.
تشديد الحدود وإعادة توجيه الخطر
تُظهر المعطيات أن تشديد الرقابة الحدودية، لا سيما في دول العبور مثل موريتانيا، كان عاملًا رئيسيًا في خفض أعداد الواصلين إلى إسبانيا. غير أن هذا التشديد لم يُنهِ الهجرة، بل أعاد توجيهها نحو مسارات أكثر فتكًا.
وتوضح المنظمة أن تزايد الاعتماد على الطريق البحري من الجزائر إلى جزر البليار، إلى جانب استمرار العبور عبر طريق الأطلسي الطويل نحو جزر الكناري، يعكس استراتيجية غير معلنة تقوم على "دفع الخطر بعيدًا عن السواحل الأوروبية"، حتى وإن كان ذلك على حساب حياة المهاجرين.
موريتانيا: شريك أمني مقابل تمويل أوروبي
يعزو التقرير جانبًا كبيرًا من تراجع أعداد الواصلين إلى إسبانيا إلى تعزيز التعاون الأمني بين الاتحاد الأوروبي وموريتانيا، التي حصلت على تمويل أوروبي مقابل تشديد الرقابة على الهجرة.
لكن هذا التعاون يثير تساؤلات حقوقية جدية، في ظل تقارير صادرة عن منظمة "هيومن رايتس ووتش" تتحدث عن انتهاكات ممنهجة بحق المهاجرين، شملت التعذيب والاعتداءات الجنسية والاحتجاز التعسفي.
وبينما تنفي السلطات الموريتانية هذه الاتهامات، ترى منظمات حقوقية أن الاتحاد الأوروبي يصدّر سياسات الردع إلى خارج حدوده، متجاهلًا سجل حقوق الإنسان في دول الشراكة.
طرق الموت: الكناري لا تزال الأكثر فتكًا
على الرغم من تنوّع مسارات الهجرة، لا يزال طريق الأطلسي نحو جزر الكناري الأكثر دموية، مع تسجيل نحو 1906 وفيات خلال عام واحد فقط. ويليه طريق الجزائر – البليار، الذي أودى بحياة أكثر من ألف مهاجر.
كما يحذّر التقرير من ظهور مسارات جديدة أطول وأكثر خطورة، مثل الطريق من غينيا إلى الكناري، ما يعكس يأس المهاجرين واستعدادهم للمجازفة لمسافات غير مسبوقة في غياب بدائل قانونية وآمنة.
تقارير صادرة عن منظمة "هيومن رايتس ووتش" تتحدث عن انتهاكات ممنهجة بحق المهاجرين، شملت التعذيب والاعتداءات الجنسية والاحتجاز التعسفي.
"سياسات الموت" وترسيخ خطاب يميني متطرف
تصف منسقة الأبحاث في المنظمة، هيلينا مالينو، هذه المقاربة بأنها "سياسات موت"، معتبرة أن صعود اليمين المتطرف في أوروبا أسهم في ترسيخ خطاب يجرّد المهاجرين من إنسانيتهم، ويبرر تقليص عمليات الإنقاذ والتقاعس عن التدخل السريع.
ويخلص التقرير إلى أن الاستجابة الأوروبية لحوادث الغرق غير كافية بنيويًا، في ظل تأخر عمليات البحث والإنقاذ، ونقص الموارد، وغياب الإرادة السياسية، رغم المعرفة المسبقة بالمخاطر التي يواجهها المهاجرون في هذه المسارات.
ضحايا بلا حدود… وأزمة بلا حلول
ينحدر ضحايا الهجرة خلال 2025 من 30 دولة، تمتد من أفريقيا إلى الشرق الأوسط وجنوب آسيا، ما يؤكد أن الظاهرة ليست أزمة محلية أو إقليمية، بل نتيجة اختلالات عالمية تشمل الفقر، والنزاعات، وتغير المناخ، إلى جانب سياسات الهجرة الأوروبية نفسها.
وفي ظل غياب مسارات قانونية وآمنة، واستمرار منطق الردع الأمني، تبدو مأساة الهجرة مرشحة للتكرار، حتى وإن تغيّرت الأرقام. فالمعادلة، كما تشير المنظمات الحقوقية، لم تعد تتعلق بعدد الواصلين، بل بعدد الذين يُتركون ليموتوا في الطريق.