رغم الحرب.. لماذا لم تنهار الأسواق العالمية؟
27 ابريل 2026
في وقتٍ كان يُفترض أن تهيمن فيه المخاوف الجيوسياسية على المشهد الاقتصادي العالمي، فاجأت الأسواق المالية الجميع برد فعل معاكس تقريبًا. فبعد نحو شهرين على اندلاع الحرب في إيران، لم تدخل الأسواق في حالة انهيار كما حدث في أزمات سابقة، بل على العكس، اقتربت مؤشرات الأسهم في عدة دول من مستوياتها القياسية، في مشهد يعكس قدرًا لافتًا من "المرونة غير المتوقعة".
انفصال بين السياسة والاقتصاد
وحسب تقرير لوكالة "بلومبيرغ"، فمن الولايات المتحدة إلى كوريا الجنوبية وتايوان، يظهر بوضوح وجود فجوة بين الواقع السياسي المتوتر وأداء الأسواق. فبينما تستمر التوترات العسكرية والمخاوف من التصعيد، تتصرف الأسواق وكأنها تجاوزت الصدمة، مركزةً على العوامل الاقتصادية الأساسية بدلًا من المخاطر الجيوسياسية.
لم تعد الحروب تعني بالضرورة انهيارًا ماليًا فوريًا، بل أصبحت مجرد عامل ضمن مجموعة أكبر من المؤثرات
هذا "الانفصال" ليس وليد الصدفة، بل نتيجة تراكمات في سلوك المستثمرين خلال السنوات الأخيرة، حيث أصبحت الأسواق أكثر اعتيادًا على التعامل مع الأزمات دون مبالغة في رد الفعل.
من الصدمة إلى التكيّف
في الأيام الأولى للحرب، شهدت الأسواق اضطرابًا واضحًا، مدفوعًا بارتفاع أسعار الطاقة والخشية من تعطّل الإمدادات العالمية. لكن هذا التأثير كان مؤقتًا. سرعان ما تحوّل تركيز المستثمرين إلى أرباح الشركات والسيولة العالمية، وهي عوامل أكثر استدامة في تحديد الاتجاهات.
حتى الدولار الأميركي، الذي يُعتبر ملاذًا آمنًا في الأزمات، تراجع عن معظم مكاسبه التي حققها في بداية الصراع، في إشارة إلى تراجع حالة الذعر.
لماذا لم تنهار الأسواق؟
وكالة بلومبيرغ استعرضت خمسة أسباب؟:
1. تسعير السيناريو الأسوأ
يرى المحللون أن الأسواق قامت بالفعل بتسعير أسوأ الاحتمالات منذ البداية، ما قلّص من تأثير أي تطورات لاحقة. كما أن استمرار قنوات التواصل بين الأطراف المتنازعة يعزز التوقعات بإمكانية التوصل إلى حل دبلوماسي، وهو ما يحدّ من المخاوف.
2. عقلية "شراء الانخفاض"
منذ جائحة كورونا مرورًا بحرب أوكرانيا، اعتاد المستثمرون على استغلال التراجعات كفرص شراء. هذه العقلية أصبحت راسخة، ما يقلل من احتمالية حدوث موجات بيع حادة طويلة الأمد.
3. صدمة طاقة تحت السيطرة
رغم ارتفاع أسعار النفط، لم تصل الأزمة إلى حد شلّ الاقتصاد العالمي. فقد ساهمت الاحتياطيات الاستراتيجية، إلى جانب قدرة بعض المنتجين على زيادة الإنتاج، في امتصاص الصدمة. لكن يبقى مضيق هرمز نقطة حساسة قد تغيّر المعادلة إذا تصاعدت التوترات فيه.
4. أرباح الشركات القوية
البيانات المالية لعبت دورًا حاسمًا في دعم الأسواق. فقد تجاوزت نسبة كبيرة من شركات مؤشر ستاندر آند بورز توقعات الأرباح، ما عزز ثقة المستثمرين بأن الاقتصاد لا يزال متماسكًا رغم الضغوط.
5. عودة زخم الذكاء الاصطناعي
قطاع التكنولوجيا، وخاصة المرتبط بالذكاء الاصطناعي، كان المحرك الرئيسي للصعود. حيث سجلت شركات الذكاء الاصطناعي نتائج قوية، مدفوعة بالطلب المتزايد على الرقائق والتقنيات المتقدمة.
رغم هذا التفاؤل، لا تزال المخاطر قائمة، فاستمرار الحرب لفترة أطول، أو حدوث اضطرابات كبيرة في إمدادات الطاقة، قد يعيد التقلبات إلى الواجهة، كما أن الإفراط في التفاؤل قد يجعل الأسواق عرضة لتصحيح مفاجئ إذا خابت التوقعات.
وما يحدث اليوم في الأسواق العالمية يعكس تحولًا في طريقة تعامل المستثمرين مع الأزمات. فلم تعد الحروب تعني بالضرورة انهيارًا ماليًا فوريًا، بل أصبحت مجرد عامل ضمن مجموعة أكبر من المؤثرات.