رغم الحديث عن السلام.. العالم يواجه أزمة طاقة طويلة الأمد
7 مايو 2026
في الوقت الذي تتزايد فيه الآمال بإمكانية التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، تبدو أسواق الطاقة العالمية بعيدة عن استعادة توازنها سريعًا. فالتقديرات الصادرة عن كبرى شركات الطاقة والبنوك الاستثمارية تشير إلى أن العالم قد يدخل واحدة من أصعب فترات نقص الإمدادات النفطية حتى بعد توقف القتال، نتيجة التراجع الحاد في المخزونات العالمية وتعطل سلاسل الشحن والإنتاج في الشرق الأوسط.
مخزونات تُستنزف بسرعة
وحسب تقرير لوكالة "رويترز"، فمنذ اندلاع الحرب في أواخر شباط/فبراير، اعتمدت الدول والشركات على المخزونات التجارية والاحتياطيات الطارئة والنفط المخزن في البحر لتخفيف آثار الصدمة النفطية. لكن هذا الحل المؤقت بدأ يقترب من حدوده القصوى، خصوصًا مع دخول موسم الصيف الذي يشهد عادةً ذروة الاستهلاك العالمي للطاقة.
حتى مع النهاية المحتملة للحرب، سيدخل العالم واحدة من أصعب فترات نقص الإمدادات النفطية نتيجة التراجع الحاد في المخزونات العالمية وتعطل سلاسل الشحن والإنتاج في الشرق الأوسط
وتقول تقديرات شركات الطاقة إن السحب من المخزونات العالمية وصل إلى ما بين 10 و13 مليون برميل يوميًا، ما أدى إلى استهلاك مئات الملايين من البراميل خلال أسابيع قليلة فقط. ومع هذا النزيف السريع، باتت الأسواق تواجه خطر الدخول في الصيف بأضعف احتياطي نفطي منذ سنوات.
وحذر الرئيس التنفيذي لشركة توتال إينيرجيز، باتريك بوياني من أن العالم سيخرج من الحرب "بمخزونات منخفضة للغاية"، حتى لو انتهى الصراع خلال شهر أيار/مايو.
السلام لا يعني عودة الإمدادات فورًا
ورغم أن الأسواق تفاعلت إيجابيًا مع الحديث عن تقدم في المفاوضات الأميركية الإيرانية، فإن خبراء الطاقة يرون أن أي اتفاق سياسي لن يترجم فورًا إلى استقرار في الإمدادات أو الأسعار.
فالنفط يحتاج إلى أسابيع كي يعود للتدفق بشكل طبيعي من الخليج إلى الأسواق العالمية، كما أن حركة السفن والشحن البحري تواجه تكدسًا وتأخيرًا واسعًا بعد أشهر من الاضطرابات. وتشير التقديرات إلى أن عودة التدفقات النفطية عبر مضيق هرمز إلى طبيعتها قد تستغرق شهرين كاملين بعد إعادة فتحه بالكامل.
كما أن تعطل منشآت التكرير في الشرق الأوسط يزيد من تعقيد المشهد، مع خروج نحو مليوني برميل يوميًا من طاقة التكرير عن الخدمة، وهو ما يؤثر مباشرة على إمدادات البنزين ووقود الطائرات والديزل إلى أوروبا وآسيا وأفريقيا.
الأسواق لم تشهد "الصدمة الحقيقية" بعد
وترى شركات كبرى أن التأثير الكامل للأزمة لم يظهر حتى الآن. وقال الرئيس التنفيذي لشركة إكسون موبيل، دارين وودز إن الأسواق "لم تشهد بعد التأثير الكامل" للاضطراب غير المسبوق في إمدادات النفط والغاز عالميًا.
وبحسب شركة ريستاد إينريجي، فقد خسر العالم بالفعل نحو 600 مليون برميل من الإمدادات منذ بداية الحرب، وقد يرتفع الرقم إلى ملياري برميل قبل عودة السوق إلى وضعه الطبيعي.
أما غولدمان ساكس فتوقعت انخفاض المخزونات العالمية إلى ما يعادل 98 يومًا فقط من الطلب العالمي بحلول نهاية أيار/مايو، مقارنة بـ105 أيام قبل اندلاع الحرب.
ارتفاع الأسعار مرشح للاستمرار
ورغم تراجع أسعار النفط مؤقتًا مع الحديث عن احتمال التوصل إلى اتفاق، فإن التوقعات طويلة الأمد لا تزال تشير إلى استمرار الأسعار المرتفعة. فالمصافي والدول المستهلكة ستسعى فور انتهاء الحرب إلى إعادة بناء احتياطياتها الاستراتيجية، ما يعني بقاء الطلب قويًا حتى مع تحسن الإمدادات تدريجيًا. كما أن الدول التي عانت نقصًا حادًا في الوقود بدأت بالفعل التخطيط لبناء مخزونات إضافية لتجنب تكرار الأزمة مستقبلًا.
وأعلنت أستراليا التي تستورد نحو 80% من احتياجاتها من الوقود، خطة بقيمة 7.22 مليار دولار لتعزيز احتياطياتها النفطية بعد تعرضها لنقص متكرر منذ بداية الحرب. وفي أوروبا، بدأت المفوضية الأوروبية دراسة مراجعة قواعد التخزين الإلزامي للنفط، وسط مخاوف من نقص وقود الطائرات خلال الصيف.
آسيا وأوروبا في قلب الأزمة
وتبدو آسيا الأكثر تضررًا من اضطرابات الإمدادات، بعدما هبطت واردات النفط الخام بنسبة 30% في نيسان/أبريل إلى أدنى مستوياتها منذ عام 2015، بحسب بيانات شركة Kpler.
أما في سنغافورة، أحد أهم مراكز تزويد السفن بالوقود في العالم، فقد تراجعت مخزونات الوقود إلى مستويات قريبة من أدنى مستوى سنوي. وفي المقابل، تواجه أوروبا خطر نقص وقود الطائرات خلال أسابيع إذا لم تُعوض الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط بالكامل، بينما تمتلك دول مثل إيرلندا احتياطات محدودة للغاية لا تغطي سوى أيام قليلة.
أزمة غاز موازية
الأزمة لا تقتصر على النفط فقط، إذ تعرضت إمدادات الغاز الطبيعي المسال لهزة قوية بعد توقف إنتاج قطر وتضرر بعض المنشآت خلال الحرب. وتشير التقديرات إلى أن السوق العالمية فقدت ما بين 30 و50 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال، وهو ما يعادل نحو 11% من الإمدادات العالمية السنوية، ما يهدد بارتفاع إضافي في أسعار الكهرباء والطاقة الصناعية حول العالم.
صيف ثقيل على الاقتصاد العالمي
ومع اقتراب موسم السفر الصيفي وارتفاع الطلب على النقل والطيران والشحن، يخشى محللون من أن يدخل الاقتصاد العالمي مرحلة جديدة من التضخم المرتبط بالطاقة، خصوصًا إذا استمرت مستويات المخزون بالتراجع أو تأخر تعافي الإمدادات.
وبينما تراهن الأسواق على الدبلوماسية لإنهاء الحرب، يبدو أن آثارها الاقتصادية ستستمر لأشهر طويلة، مع بقاء العالم أمام اختبار صعب لإدارة واحدة من أعنف صدمات الطاقة في العقود الأخيرة.