رغم استمرار المسار الدبلوماسي.. فجوة الثقة بين واشنطن وطهران تتعمّق
25 يونيو 2026
رغم مؤشرات الانفراج الحذرة التي أحاطت بالجولة الأولى من المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران في سويسرا مطلع الأسبوع الجاري، تكشف المعطيات الميدانية والسياسية أن المسار الدبلوماسي لا يزال هشًا، بل محاطًا بسياج كثيف من التصعيد والتباينات العميقة في المواقف. فالتصريحات العلنية الصادرة عن الطرفين تعكس بوضوح فجوة في تفسير بنود مذكرة التفاهم، ما يهدد بتحويل الحوار إلى مجرد غطاء لإدارة الصراع بدلًا من حله.
في هذا السياق، طلبت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب من الكونغرس تمويلًا إضافيًا ضخمًا بقيمة 87.6 مليار دولار، يذهب الجزء الأكبر منه لتغطية التكاليف التشغيلية للحرب على إيران. ويتضمن الطلب 67.15 مليار دولار مخصصة لبرامج عسكرية سرية، وإعادة بناء مخزون الأسلحة، وشراء الذخائر، وتعزيز القاعدة الصناعية الدفاعية، في مؤشر واضح على أن واشنطن لا تفصل بين التفاوض وتعزيز الجاهزية العسكرية، بل توظف الاثنين معًا كأداتين متكاملتين للضغط.
وفي مؤشر على أن خيار الحرب لا يزال قائمًا ومطروحًا، أعلن ترامب أن مجلس الشيوخ غيّر مسار تصويته لرفض مشروع قرار يقيد صلاحياته بإنهاء العمليات العسكرية ضد إيران، بعد أن تلقى الأعضاء إحاطات إدارية غيّرت مواقف النائبين الجمهوريين راند بول وبيل كاسيدي، لتصبح النتيجة 50 صوتًا معارضًا مقابل 47 مؤيدًا. واعتبر ترامب أن هذا التحول يمثل "تحذيرًا صارمًا لإيران"، في رسالة تعكس تثبيت موقف أكثر تشددًا تجاه طهران.
طلبت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب من الكونغرس تمويلًا إضافيًا ضخمًا بقيمة 87.6 مليار دولار، يذهب الجزء الأكبر منه لتغطية تكاليف الحرب على إيران
حلف الناتو: دعم معلن للحرب
كشف الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته عن حجم الانخراط الغربي في الحرب، مشيرًا إلى أن نحو 5 آلاف طائرة أميركية انطلقت من قواعد أوروبية خلال أسابيع المواجهة، في حين أُغلق مطار بوخارست مؤقتًا لتأمين عمليات التزود بالوقود. كما أشار صراحة إلى دور كل من إيطاليا ورومانيا، ما يسلط الضوء على مستوى التنسيق العسكري بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين.
وأضاف روته أن إيران كان يمكن أن تشكل تهديدًا للمنطقة والعالم، مشيرًا إلى وجود ضعف في الإنتاج الدفاعي الأوروبي والأميركي، وأن الحرب في أوكرانيا كان لها تأثير كبير في ذلك.
غير أن هذا الانخراط لم يخلُ من مواقف متباينة للرئيس الأميركي تجاه الناتو؛ إذ أشاد ترامب بروته واصفًا إياه بـ"القائد العظيم"، لكنه في الوقت ذاته وجّه انتقادات حادة لعدد من الحلفاء الأوروبيين، من بينهم إيطاليا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا وإسبانيا، معربًا عن "خيبة أمله" من ضعف الدعم، رغم تأكيده أن الولايات المتحدة "لم تكن بحاجة إلى مساعدة" وأنها "سحقت إيران في الأسبوع الأول". ويعكس هذا التناقض في الخطاب محاولة الجمع بين إبراز التفوق العسكري الأميركي والضغط على الحلفاء لرفع مستوى التزامهم.
الرد الإيراني: تصعيد قانوني وتحذير من ازدواجية المعايير
في المقابل، جاء الرد الإيراني حادًا ومتعدد المستويات، إذ اعتبرت وزارة الخارجية الإيرانية أن تصريحات حلف شمال الأطلسي تمثل "اعترافًا صريحًا بالتواطؤ" في الحرب الأخيرة، مؤكدة أن ذلك يشكل انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي.
وأضافت أن الأمين العام للناتو أقرّ بدور الحلف في العمليات العسكرية، مشيرة إلى أنه سمّى صراحة كلًا من إيطاليا ورومانيا باعتبارهما شاركتا في العدوان على إيران.
ودعت طهران إلى مساءلة الحلف وجميع الدول التي شاركت في اتخاذ قرار الحرب، محمّلة إياها المسؤولية عن تداعياتها، كما طالبت روما وبوخارست بتوضيح موقفيهما أمام شعبيهما والرأي العام الدولي بشأن ما اعتبرته "تواطؤًا في جرائم" ضد الشعب الإيراني.
"الالتزام مقابل الالتزام"
أكد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن التصريحات "المتناقضة" للمسؤولين الأميركيين بشأن مذكرة التفاهم لا تسهم في تقليص فجوة انعدام الثقة، بل تعمّقها. وشدد على أن مبدأ "الالتزام مقابل الالتزام" لا يمكن تحقيقه عبر تفسيرات متباينة للنصوص، بل يتطلب تنفيذًا واضحًا ومباشرًا للتعهدات.
وأضاف بقائي أن الولايات المتحدة "لم تُظهر يومًا الصدق" في تعاملها مع إيران، معتبرًا أن طهران، رغم وجود "أسباب منطقية" للشك، اختارت الانخراط في المسار الدبلوماسي "بحسن نية". لكنه حذّر في الوقت ذاته من أن إيران ستتعامل بحذر شديد مع أي خطوات مقبلة، مستندة إلى "تجارب العقود الخمسة الماضية"، ولا سيما الحربين الأخيرتين.
وفي رد على تصريحات وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، شدد بقائي على أن تحقيق السلام في المنطقة لن يكون ممكنًا دون إنهاء التدخلات الأميركية ووقف الاحتلال الإسرائيلي، معتبرًا أن استمرار النزعة العسكرية والحروب يعوق أي تسوية حقيقية.
مضيق هرمز: عقدة الملاحة ومؤشر التصعيد
عاد مضيق هرمز إلى واجهة التوتر، حيث حذّرت القوة البحرية للحرس الثوري الإيراني من أي محاولات لتغيير مسارات الملاحة دون التنسيق مع إيران، مؤكدة أن "المسارات المعلنة" هي الوحيدة المسموح بها، وأن أي خرق سيُعدّ "خطيرًا ومحظورًا" وسيواجه بإجراءات.
ويعكس هذا الموقف سعي طهران إلى فرض سيادة ميدانية على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، في وقت تزداد فيه المخاوف الدولية من تعطل إمدادات الطاقة. وقد أعلنت كوريا الجنوبية بالفعل خروج خمس سفن من المضيق، فيما لا تزال 13 سفينة عالقة وعلى متنها 87 بحارًا، في مؤشر على تصاعد القلق لدى الفاعلين الدوليين.
بين الدبلوماسية والضغط: معادلة غير مستقرة
تكشف هذه التطورات أن المفاوضات الجارية ليست عملية تفاوض تقليدية، بل جزء من معادلة معقدة تجمع بين الدبلوماسية والضغط العسكري والسياسي. فواشنطن تسعى إلى تعزيز موقعها التفاوضي عبر التمويل العسكري والتصعيد الخطابي، بينما تحاول طهران تثبيت معادلة تقوم على الحذر، ورفض أي التزامات لا تراعي توازن المصالح.
وفي ظل هذا التشابك، تبدو فرص التوصل إلى اتفاق طويل الأمد رهينة بقدرة الطرفين على تقليص فجوة الثقة، وهو أمر لا يزال بعيد المنال في ظل استمرار الخطاب التصعيدي، وتداخل الحسابات الداخلية والإقليمية والدولية.
وبينما تستمر اللقاءات والاتصالات، يبقى السؤال مفتوحًا حول ما إذا كانت هذه المفاوضات قادرة على كسر دائرة التصعيد، أم أنها مجرد محطة ضمن صراع أطول وأكثر تعقيدًا.








