رصدتها وكالات أممية: أرقام تشير إلى واقع السودان أثناء وبعد الحرب
20 ابريل 2026
عندما اندلعت الحرب، كان السودان يعاني أصلًا من هشاشة اقتصادية ومؤسسية. لكن بعد ثلاث سنوات، تحولت هذه الهشاشة إلى انهيار واسع النطاق. ففي عام 2023 وحده، انزلق نحو 6.9 مليون شخص إضافي إلى الفقر المدقع، بينما تراجع نصيب الفرد من الدخل إلى مستويات لم تُسجَّل منذ أكثر من ثلاثة عقود.
ويأتي توصيف الوكالات الأممية لتحول ساحة الصراع المسلح في السودان إلى واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية والاقتصادية في العالم، انطلاقًا من رصد حالة النزوح الكبيرة للسكان من مناطقهم الأصلية، والتي تجاوزت 14 مليونًا داخل البلاد وخارجها، ما أدى إلى انهيار سبل كسب العيش، وتراجع الخدمات الأساسية، وارتفاع معدلات الفقر والجوع إلى مستويات غير مسبوقة.
تشير تقديرات صادرة عن منظمة الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا" ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة "الفاو" إلى أن نحو 33.7 مليون سوداني يحتاجون إلى مساعدات إنسانية في عام 2026، فيما يعاني 41% من السكان من انعدام الأمن الغذائي الحاد، مع تسجيل حالات مجاعة مؤكدة في عدة مناطق. في الوقت ذاته، يعاني الاقتصاد من انكماش حاد، وتدهور في العملة، وارتفاع كبير في الأسعار، ما جعل الحياة اليومية عبئًا ثقيلًا على غالبية المواطنين.
سيناريوهات للمستقبل
برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بالتعاون مع معهد الدراسات الأمنية، يضع في تقرير جديد صدر قبيل الذكرى الثالثة للحرب، عدة سيناريوهات في حال تحقيق السلام في عام 2026. ويأتي أفضل السيناريوهات بأرقام صادمة، إذ يشير التقرير إلى أن السودان سيظل يعاني من خسائر تراكمية تبلغ 18.8 مليار دولار بحلول عام 2043، أي ما يعادل 752 دولارًا للفرد. فالحرب لم تقتصر على خسارة الأرواح وسبل العيش، بل تهدد مستقبل البلاد بأكمله.
يأتي توصيف الوكالات الأممية لتحول ساحة الصراع المسلح في السودان إلى واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية والاقتصادية في العالم، انطلاقًا من رصد حالة النزوح الكبيرة للسكان من مناطقهم الأصلية، والتي تجاوزت 14 مليونًا داخل البلاد وخارجها
أما أسوأ سيناريو، الذي حذّر منه البرنامج ودعا إلى تجنبه، فهو استمرار النزاع حتى عام 2030. وفي هذه الحالة، يشير التقرير إلى أن إجمالي الناتج المحلي للسودان في عام 2043 سيبلغ نحو 23.1 مليار دولار فقط، بخسائر تصل إلى 34.5 مليار دولار مقارنة بما كان يمكن تحقيقه في حال عدم اندلاع الحرب. كما سيدخل 34 مليون شخص إضافي في الفقر المدقع بحلول 2043، وهو رقم يفوق عدد سكان غانا حاليًا.
إذا تحقق السلام في 2026 دون إصلاحات واسعة، وهو ما يسميه التقرير "المسار الحالي"، فإن الصورة تظل مقلقة. إذ سينخفض نصيب الفرد من الناتج المحلي إلى 1.941 دولارًا بحلول 2035، قبل أن يرتفع بشكل طفيف إلى 2.384 دولارًا في 2043، وهو مستوى أقل من عام 2023، وحتى أقل من مستويات التسعينيات.
في هذا السيناريو، سيصل الفقر المدقع إلى نحو 60% من السكان بحلول 2030 (حوالي 34 مليون شخص)، قبل أن ينخفض ببطء إلى 38.8% بحلول 2043. كما سيفشل السودان في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، ولن تتحقق الفوائد الديموغرافية المتوقعة من شريحة الشباب.
مأزق الصحة والتعليم
يُعد قطاعا التعليم والصحة من أكثر القطاعات الخدمية ارتباطًا بحياة الناس. ويبدو التقرير الأممي غير متفائل، إذ بلغ معدل وفيات الأطفال 44.5 حالة وفاة لكل ألف مولود حي، ومن المتوقع أن يرتفع قبل أن يبدأ أي تحسن، في ظل إغلاق أكثر من 70% من المرافق الصحية في مناطق النزاع. كما شهدت البلاد تفشي الكوليرا، وارتفاعًا في معدلات الإصابة بأمراض مثل فيروس نقص المناعة (الإيدز) والسل، إلى جانب انتشار الملاريا وحمى الضنك، التي سجلت ارتفاعًا غير مسبوق وانتشرت في مناطق واسعة من البلاد.
وبحسب منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو"، فإن تعطل تعليم نحو 19 مليون طفل في سن الدراسة يمثل جرحًا ديموغرافيًا سيؤثر على سوق العمل والصحة العامة والحياة المدنية لعقود. إضافة إلى تدمير الجامعات ونهبها، وتوقف برامج التدريب والتأهيل، ما حرم ملايين الشباب من فرص اكتساب الخبرات العملية.
سيناريو نهضة السودان
رغم الصورة القاتمة، يتفاءل التقرير بأن السودان لا يزال يمتلك مقومات نهوض حقيقية، لعدة عوامل يمكن أن تسهم في تحقيق التعافي في حال الوصول إلى السلام. فإلى جانب الأراضي الزراعية الشاسعة، والموارد المائية، والموقع الاستراتيجي، يمتلك السودان تركيبة سكانية شابة يُعوَّل عليها في تحقيق النهضة.
ويربط التقرير سيناريو "نهضة السودان" بتحقيق السلام، مع إحداث إصلاحات شاملة على مستوى بنية الدولة والحوكمة والاستثمار. وبحسب هذا السيناريو، يمكن أن يصل الناتج المحلي الإجمالي إلى 58.2 مليار دولار بحلول 2043، بزيادة 19.3 مليار دولار عن المسار الحالي، مع ارتفاع نصيب الفرد إلى 3.176 دولارًا. كما يمكن إخراج 17.3 مليون شخص من الفقر المدقع، وزيادة متوسط العمر المتوقع بمقدار 4.2 سنوات ليصل إلى 77.3 عامًا، وتحقيق معدل نمو اقتصادي يبلغ 5% سنويًا، أي أكثر من ضعف المسار الحالي.
الزراعة رافعة الاستقرار
يضع برنامج الأمم المتحدة ثقله على مكاسب قطاع الزراعة، الذي يمكن أن يخرج 4.7 مليون شخص من الفقر، إضافة إلى إصلاحات الحوكمة التي قد ترفع 4.8 مليون شخص من الفقر. ويؤكد التقرير أن هذين العاملين مترابطان، إذ تسهم الحوكمة الجيدة في دعم الاستثمار الزراعي، بينما توفر الزراعة موارد تعزز الاستقرار المؤسسي.
وتعمل منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة "الفاو" في السودان بقوة لإنعاش هذا القطاع. وقالت في آخر تقاريرها إن القطاع الزراعي، الذي يعمل فيه ثلثا السكان، تعرض لخراب كبير؛ فقد دُمِّرت البنية التحتية الحيوية، ونُهبت مخزونات الغذاء، وأصبحت الحقول والأسواق غير قابلة للوصول. ومع اقتراب موسم الزراعة الرئيسي في حزيران/يونيو، تتضاءل فرص إنعاش إنتاج الحبوب الوطني ومنع المزيد من التدهور بسرعة.
وحذّرت المنظمة من معاناة الملايين من ظروف الأزمة، رغم أن بعض مناطق البلاد شهدت انتعاشًا زراعيًا متواضعًا، وأن المكاسب الهشة في إنتاج الغذاء تواجه خطر الضياع في غياب استثمارات مستدامة ومخططة.
ما يمر به السودان اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل لحظة مفصلية ستحدد شكل الدولة لعقود قادمة. الأرقام الصادمة التي تكشفها التقارير الأممية تستوجب التحرك المستمر والضغط بقوة من أجل تحقيق السلام، باعتباره الشرط الأساسي الذي بدونه ستظل كل الجهود الإنسانية والاقتصادية مجرد محاولات لتخفيف الألم لا لإنهائه. ولا بد من اقتران السلام بإرادة حقيقية للإصلاح، حتى يتمكن السودان من تحويل هذا الواقع إلى نقطة انطلاق نحو مستقبل واعد.