رشيد الضعيف.. متاهة الذكرى والخيال

رشيد الضعيف.. متاهة الذكرى والخيال

رشيد الضعيف

هكذا يكون كاتبنا، رشيد الضعيف: اللوح الإلكتروني إلى جانبه، ومن حوله يدور العالم. تدور الأحداث، يتناوب الليل والنهار والفصول الأربعة.. وينصرف هو إلى ما كان حفظه على هذا الجهاز الصغير، يتصفح أرشيفًا أو يضيف إليه ويعود إلى صورٍ ومخطوطات وأمور أخرى.

يدرك رشيد الضعيف أن أحد أبرز الدوافع التاريخية لنشوء الرواية هو التلصص 

يكتب رشيد الضعيف مباشرة إلى اللوح، ومن قبله الكمبيوتر ليواكب الحداثة كما في الرواية كذلك عند كتابتها. ومن الجهاز ومدلولات اسمه التاريخية والعملية كانت روايته "ألواح" (دار الساقي، بيروت 2016) على هيئة سيرة روائية. تسودها الأنا الملتبسة بين ما يوحي به الكاتب على أنه واقع، ثم يثير حوله الشك على أنه مُتخيّل، فيحقق بذلك لذّة مشتركة لدى القارئ والكاتب معًا، هي أشبه بالسير على حافة ملموسة ومن حولها ضباب يضيع معه موطئ القدم.

اقرأ/ي أيضًا: حارس الموتى.. لو لم تحدث الحرب

يدرك رشيد الضعيف أن أحد أبرز الدوافع التاريخية لنشوء الرواية هي اللصلصة على حياة الآخرين، وشؤونهم الخاصة وأمورهم الحميمية التي غالبًا ما تحتجب وتُغلّف وتُوارى كي لا تصلها يد أو تدركها عين أو تبلغها أذن. وإذا كان رشيد الضعيف تفنّن في أعماله السابقة ومن بينها: "عزيزي السيدا كواباتا"، و"تصطفل ميريل ستريب"، و"عودة الألماني إلى رشده"... في عملية "التضمين" عند ابتكار الشخوص وتركيب شخصياتها، تراه في "ألواحه" السرية المعلنة لا يتوانى عن إدخال "الأنا" لمضاعفة الفضول على كشف المستور. خصوصًا وأنه هو الكاتب، الذي يستخدم "أناه" موهمًا القارئ بأنه يعثر على سرّ "بليغ"، فيما يكون في الحقيقة قد وقع في فخ نصبه له الضعيف ليضلّ وسط المتاهة المفتعلة بين فعلي التذكر والتخييل.  

وبعكس الكتّاب الذين يحجمون عن استخدام ضمير الغائب، أو الانسحاب تمامًا من عملهم الروائي لبلوغ الدائرة المريحة التي تُحمّل فيها أثقال الانطباعات والآراء والذكريات الشخصية للآخرين، فإن رشيد الضعيف، الكاتب والأستاذ الجامعي، يرتاح في الكتابة عند استخدام ضمير المتكلّم، مرتديًا جلد الشخصيات التي يبتكرها ليرى بعيونها وإن كان في كثير من الأحيان لا يحبّها شخصيًا. 

يرتاح اللبناني رشيد الضعيف إلى كتابة رواياته بضمير المتكلم

في "ألواح" التي بلغت مستوى عاليًا من من الجُرأة، لم يخف رشيد الضعيف من الإقدام على عملية المصارحة، وتسمية الأمور بأسمائها. وإن كان "الوهم" جاهزًا في كل حين ليُغلّف الوقائع بالالتباس المفتوح على ألف احتمال والإنكار القاطع المانع. هي عملية تعرّ من نوع آخر إذن. يراها الكاتب نفسه أكثر مما يراها الآخرون. فهو يعرف المساحات التي أفردها للحقائق وما تداخل معها من خيال. دون أن يعني ذلك عدم وضوح رؤية للقارئ "الذكي" ـ بحسب وصف الضعيف ـ لأنه عندما يقرأ النص الموجود بين يديه يقرأ نفسَه هو بالذات، عبر هذا النصّ،  قبل أن يقرأ الكاتب، موجزًا ما يرمي إليه بأن "النص ليس عبّارة إلى الكاتب. إنّه عبّارة القارئ إلى نفسه". أما القارئ غير المتمرّس، فإن الكاتب يشرح له المقصود الذي يناسب فضوله فيصدّق.

اقرأ/ي أيضًا: ربيع جابر.. الفتنة البيروتية

رشيد ضعيف.. الترجمة والعالمية 

تُرجمت أعمال رشيد الضعيف إلى نحو تسع لغات، من بينها الفيتنامية. وإن كان فعل الترجمة جاء في كثير من الأحيان بحكم المصادفة، فإن اهتمام القارئ أيًا كانت جنسيته بعدد كبير من كتابات رشيد الضعيف لن توجده الصدفة وحدها، خصوصًا وأنه يثير في كتاباته موضوعات لا تهمّه وحده فحسب، بل تلامس كل قارئ يكتشفها داخل الكتاب.  

 

اقرأ/ي أيضًا:

حنان الشيخ.. الكتابة بين الضباب

علوية صبح.. عزلة في منطقة الاشتباك