رشا عمران وتشارلز سيميك: سوريا بعين واحدة

رشا عمران وتشارلز سيميك: سوريا بعين واحدة

رشا عمران (دورك سيكبا/ ألمانيا)

رشا عمران، شاعرة سوريّة لم تتوانَ منذ انطلاقة الثورة السورية عام 2011 عن التعبير عن موقفها ضدّ نظام بشّار الأسد كما انتقدت صمت المثقّفين العرب حيال الجرائم التي يرتكبها النظام ضدّ المدنيين. تقيم رشا حاليًا في المنفى في مصر، ولا تزال على موقفها المندّد بالحرب والداعم للإصلاحات الديمقراطيّة في البلاد. كانت رشا قد كتبت مقالة بعنوان "الطائفة كوطن" تصف فيها كيف تحوّلت الانتفاضة السلميّة في سوريا إلى نزاع دمويّ، تحرّك النظام لمواجهة التحدّي عبر حصار الثورة في مناطق محدّدة وعزل مناطق أخرى، متبعًا منهجيّة "فرّق تسد". ففي الوقت الذي كانت تخرج فيه مظاهرة سلميّة كانت وسائل الإعلام الرسميّة تتحدّث عن عصابات "تكفيرية" تقتل الجنود ورجال الأمن (الوطنيّين الشرفاء)، هدفها إشعال حرب طائفية في سوريا. ثمّ أطلق النظام عمليّات تمويهيّة ونشر شائعات بين العلويين ليذكّرهم بشكل صارخ بتلك الرواية التقليديّة عن المظلوميّة والاضطهاد. كما ضحّى النظام ببعض العلويين في بعض المناطق التي شهدت توتّرًا طائفيًا كي يزرع الخوف في البقيّة، ويقتنعوا بأنّ أولئك الذين يدّعون أنّهم ثوّار ليسوا سوى قتلة طائفيين همّهم الثأر لما حدث في حماة (تلك المجزرة التي قتل فيها الإخوان المسلمون عام 1982). ما فعله النظام بكل بساطة هو أنّه أفلت عقال وحش الخوف بعد أن كان هامدًا في أذهانهم لفترة من الزمن، وصار هنالك ربط تلقائي بين الطائفة/الوطن. واليوم بات العلويون على قناعة بأنّهم يحاربون دفاعًا عن بقائهم على مستوى الفرد والطائفة والوطن. 

رشا عمران: من المحزن أن ينظر المثقفون والكتاب العرب إلى الوضع في سوريا بعين واحدة

اقرأ/ي أيضًا: حلب.. من التتار إلى التتار الجدد

لكن كيف لهم أن يكتشفوا ذلك الوهم الذي عشّش في أذهانهم طيلة هذا الوقت؟ هل سيدركون أنّ قبور أولادهم، والتي تزداد يومًا وراء يوم، ليست سوى ضريبة رخيصة يدفعها النظام الذي لا يعدّهم سوى جنود على رقعة شطرنج يحركهم كيف يشاء ليحافظ على بقائه هو؟ لعلهم يفهمون هذا بعد حين. ولكن أخشى أنّ هذا لن يحدث إلا بعد أن تتحوّل حياتهم إلى حلقة لا تنتهي من الجنائز وبيوت العزاء، وبعد أن تتحوّل سوريا بأسرها إلى أرض من المقابر والموت بسبب جرائم النظام التي يستخدم فيها الطائفيّة أداةً للحرب. 

كما تحدّثت رشا عن مأساة اللاجئين السوريين وعن الذين خرجوا للمظاهرات بداية الثورة، أولئك الذين صارت ثورتهم منسيّة. وقد قالت رشا في مقالة لها عام 2015: "ما من ثورة في التاريخ تمكّنت من الحفاظ على جمالها لفترة طويلة كما فعلت الثورة السوريّة رغم الجرائم الوحشيّة التي ارتكبت لإخمادها... لكن الدم الآن قد صار الذاكرة الوحيدة لسوريا، فالجميع يتآمرون لدفن هذا الجمال".

فيما يلي ترجمة لحوار مع رشا عمران أجراه الشاعر تشارلز سيميك، وفيه حديث عن تجربتها في الشعر وعن فشل الغرب في إنهاء الصراع في سوريا. 


  • هل يشارك كتّاب ومثقّفون عرب في ذلك الصمت الدوليّ بخصوص المذبحة في سوريا؟ 

حين بدأت الثورة السورية عبّر مثقفون وكتاب عرب عن تضامنهم مع ما يجري في سوريا، ولكن سرعان ما اختفى هذا التعاطف. وحين ازداد المشهد تعقيدًا راحوا يقولون: "نحن لا ندري حقيقة ما يجري في سوريا". رأينا الكثير من المثقفين العرب قد التزموا بالصمت الكامل حيال جميع الجرائم التي ارتكبها النظام السوريّ وحلفاؤه، ثمّ فجأة علا صوتهم حين ظهرت بعض الجرائم التي ارتكبتها داعش وغيرها من الجماعات. من المحزن أن ينظر المثقفون والكتاب العرب إلى الوضع في سوريا بعين واحدة، مع أنّ فهم ما يجري هناك يحتاج عشر عيون بدلًا من اثنتين. 

  • حين جرى تقسيم يوغسلافيا في التسعينيات انتقدت الصرب وقادتهم، وأنا صربيّ، بسبب الحروب التي شنّوها ضدّ مجموعات عرقيّة ودينيّة أخرى، فكان الردّ هو اتّهامي بالخيانة. أتصوّر أنّك قد واجهت مثل هذه الاتهامات، أليس كذلك؟ 

بلى. العديد من الناس في سوريا بل وفي مدينتي الأصليّة يصفونني بالخائنة، ويشتمونني كل يوم، ويتهمونني بأنّني من "الطابور الخامس"، وأنّني متآمرة مع الغرب، أو أنّني أحصل على دعم من منظّمات وأحزاب إسلاميّة متشدّدة. لقد آلمني هذا كثيرًا وأحزنني. من بين هؤلاء الذين أطلقوا هذه الاتّهامات عليّ أصدقاء مقربون وأفراد من العائلة. فأنا لست في نظرهم الآن سوى خائنة تستحقّ الموت أو إسقاط الجنسيّة السوريّة عنّي على الأقل.

تشارلز سيميك: انتقدت الصرب وقادتهم بسبب الحروب التي شنّوها ضدّ مجموعات عرقيّة فاتهموني بالخيانة

اقرأ/ي أيضًا: أدونيس.. "تنويريّ" الرجل الأبيض!

  • هل لك أن تخبرينا عن نشأتك في طرطوس وعن تجربتك في الشعر؟ 

طرطوس. مدينة على ساحل المتوسّط في سوريا. لا أستطيع تذكّر الكثير عنها. كنت في سنّ الخامسة أو أصغر حين انتقلت عائلتي إلى العاصمة دمشق، حيث أمضيت مرحلة الطفولة والمراهقة والشباب. لم تكن طرطوس والضيعة التي أتيت منها -فأنا من القرية أصلًا، من قرية جبليّة ترتفع 400 متر عن سطح البحر- سوى مكان لعطلة الصيف. كنّا نعود هناك كلّ صيف لنلعب في الجبال وعند البحر، كنا نقضي أوقاتًا ممتعة. كان في بيتنا في دمشق مكتبة كبيرة جدًّا. كنت قارئة نهمةً منذ صغري، وكنت أقرأ كلّ شيء تقع عليه يدي. لم يخبرني أحد عما يجب أن أقرأه أو أتجنّب قراءته من الكتب. وهذه المعرفة الواسعة بالكتب تعود لتلك الفترة من حياتي. بعد ذلك صرت اختار قراءاتي بعناية طيلة سنوات. أمّا عن الشعر، فأعتقد أنّني كنت دومًا مسكونة بالشعراء الذين كنت أعرفهم. فأبي كان شاعرًا، وبيتنا كان مضافة للشعراء والفنانين، ولعل هذا هو السبب، لا أدري تمامًا. كان أبي يخبرني، قبل أن يعرف أنّني أكتب الشعر، أنّني قد أكون روائيّة جيّدة، معتمدًا في رأيه ذلك على ما يعرفه من ذاكرتي القويّة ومقدرتي على تذكّر التفاصيل. ولكنّي لم أصبح روائيّة. 

  • ما مقدار الانقسام على مستوى الرأي السياسيّ بين ملايين اللاجئين والمبعدين الذين غادروا سوريا؟ 

أحد أهمّ الحقائق المرتبطة بالمأساة السوريّة مع الأسف هو حجم الانقسامات التي نشأت معها. وهذه الانقسامات ليست بين أنصار النظام ومعارضيه، وإنّما امتدّت لتصبح بين أطياف المعارضين كذلك. هذا أمر في غاية الوضوح، فبعد الزيادة الكبيرة في أعداد اللاجئين يبدو أنّ السوريين في الخارج لا يمتلكون رؤية موحّدة لمستقبل سوريا. الحاصل هو أنّ اللاجئين والمبعدين، بسبب اليأس وغياب الأمل في حلّ قريب، صاروا معنيّين بسؤال بقائهم وحسب. وبالنسبة لنا جميعًا، آلت سوريا إلى مجرّد منشورات نكتبها على صفحات الفيسبوك بعد كل مجزرة، أمّا على الأرض، وفي المنفى، فنحن لا نقوم بأي شيء من شأنه أن يوقف الحرب ويضع حدًّا للموت. 

  • لقد أعلنت في أيلول/سبتمبر 2012 إضرابك عن الطعام قرب مقر جامعة الدول العربيّة في ميدان التحرير في القاهرة. ما مقدار الدعم الذي تلقّيته من الناس هناك؟ 

في الواقع كانت هذه فكرة أربع من صديقاتي السوريّات اللواتي كنّ معي في القاهرة قبل حكم السيسي. لقد كان يسهل على السوريين في مصر تنظيم بعض الفعاليات الداعمة للقضيّة السوريّة، وقد استمرّ ذلك الإضراب والاعتصام لخمسة عشر يومًا. ولكن لم يترتّب على ذلك أي نتيجة بطبيعة الحال. أمّا المصريون فأبدوا حينها تأييدهم لقضيّتنا، وشارك عشرات المثقفين في اعتصامنا، بالإضافة إلى مشاركة أناس عاديين كانوا ينضمّون إلينا في ذلك المكان. كانت تلك أيّامًا فريدة من نوعها في الانسجام والتوافق بين الناس، فقد كانت مصر تقف إلى جانب الشعب السوريّ في مأساته. لكنّ هذا تغيّر تمامًا الآن. فلم يعد هنالك العديد من السوريين في مصر. وصديقاتي اللواتي شاركن في الاعتصام غادرن مصر إلى أوروبا أو الولايات المتّحدة. بقيت أنا وحدي هنا. لا يمكن للسوريين في مصر الآن تنظيم أيّ فعالية ترتبط بالشأن السوريّ، كما أنّ الإعلام المصري يميل إلى دعم نظام الأسد بذريعة أنّه يحارب الإرهاب، وقد أثّر هذا على نظرة عامّة المصريين بخصوص ما يحدث في سوريا. 

رشا عمران: لا أظنّ أنّ العالم جادّ بخصوص وقف المجازر في سوريا

اقرأ/ي أيضًا: يوميات الثورة في حلب

  • لم يكن أحدٌ يتخيّل أن تصل حجم الفظائع في سوريا إلى ما وصلت إليه الآن، وقد رأينا مؤخرًا قصف قافلة مساعدات دوليّة هناك والمزيد من التدمير في حلب بعد بقصف الطيران الروسيّ. ما الذي يمنع أطراف النزاع من وضع حدّ للمذابح ضد المدنيين في سوريا؟ 

الأطراف التي تموّل هذه الأطراف والدول الداعمة لهم. نسمع كثيرًا قادة دول أجنبية يشجبون يوميًا ما يحدث في سوريا، ونشاهد الاجتماعات والمؤتمرات، والاتفاقات الثنائية وغيرها من الاتفاقيات الهادفة لوقف إطلاق النار، ولكن دون أي نتيجة تذكر. فالقتل متواصل، والموت والتهجير لم يتوّقفا، ولا تزال سوريا تخضع للتدمير. لا أظنّ أنّ العالم جادّ بخصوص وقف المجازر في سوريا. لو كانت هنالك نيّة جادّة للوصول إلى حلّ لهذه المأساة لكانت الأزمة قد انتهت. ولكن هنالك ترتيبات جديدة وتغييرات سياسيّة تحصل في العالم، وكل هذا يمرّ عبر الحرب والقتل في سوريا. 

  • لقد كان دور الولايات المتّحدة عقيمًا على وجه التحديد فيما يتعلّق بوقف العنف في سوريا. ما رأيك بخصوص الولايات المتّحدة ودورها في الشرق الأوسط؟ 

أعتقد أنّ الولايات المتّحدة لاعب أساسيّ في المنطقة، سواء أرادت ذلك أم لم ترد. فجميع القوى تنسّق مع الولايات المتّحدة لتجنّب تضارب المصالح معها. لا أعتقد أنّ الولايات المتّحدة راغبة في رؤية أنظمة ديمقراطيّة حقيقيّة في الشرق الأوسط. ففي الدول العربيّة التي سقطت أنظمتها رأينا كيف حلّ مكانها أنظمة أسوأ منها. وأعتقد شخصيًّا أنّ الولايات المتحدة لو كانت ترغب حقًّا في وقت القتل وتغيير النظام في سوريا، لسعت لتحقيق ذلك في السنة الأولى من الثورة. ولكن من الذي دعم بشار الأسد حين ورث الحكم في سوريا بعد موت أبيه؟ إنّها الولايات المتحدة. نحن السوريين لا ننسى زيارة مادلين أولبرايت، وزيرة الخارجية الأمريكيّة حينها، لتقديم العزاء بعد وفاة حافظ الأسد وللجلوس مع بشار الأسد في لقاء مشترك طويل لم يُكشف أيّ شيء عن تفاصيله. الولايات المتّحدة مع الأسف تمتلك سياسة واحدة في الشرق الأوسط لا تتغيّر، سواء كان في البيت الأبيض رئيس ديمقراطي أو جمهوريّ. 

اقرأ/ي أيضًا:

مها حسن.. في "مترو حلب"

جولان حاجي.. بنات الثورة السورية