رشا عدلي.. إضاءة ما أهمله التاريخ

رشا عدلي.. إضاءة ما أهمله التاريخ

معركة الأهرام لـ فرانسيز لويس جوزيف (1798-1799)

ثمة سؤال بشأن ماهو مطمور في سياق التاريخ الرسمي والسبيل لإضاءة مرويات منزوية في العُتْمة. قد يكون الدافعُ الأساسي وراء تأليف الروايات التاريخية هو صياغة ما اعتبرته النخبة الحاكمة هباء المعني في قوالب سردية مُفارقة لسرديات السلطة. إذ تدرجُ رواية "شغف" (الدار العربية للعلوم وناشرون، 2017) للكاتبة والروائية المصرية رشا عدلي ضمن محاولات استنطاق ما هو مسكوت عنه في التاريخ.

عشق الإمبراطور

تقوم أحداث الرواية على رصد وقائع زمنين مفصليين الأول هو زمن حملة نابليون بونابرت على الشرق واحتلاله لمصر، والثاني زمن مابعد ثورة 25 يناير، وتتناوبُ وحدات مُعبقة بنفحات زمنين على مساحة الرواية، هذا وتتخللُ في تجاويف الرواية جوانبُ من حياة البطلة ياسمين، وما يشبه العقدة لديها من علاقات عاطفية عقب انتحار أمها عندما تصطدم بمعرفة خيانة زوجها مع صديقتها المقربة.

تستعيد رشا عدلي في "شغف" وقائع الحملة الفرنسية بعد عثور بطلتها على لوحة من ذلك الزمن

ما تطلقه الجولة السردية لاستعادة تفاصيل وقائع غزو نابليون لمصر، هو عثور ياسمين على لوحة أحيلت إلى قسم الترميم في كلية الفنون. وبما أن البطلة هي مُتخصصة في تاريخ الفن لذا من الطبيعي أن تثير لوحة الفتاة اهتمامها، وتنقب عن هوية صاحبها الأمر الذي يستدعي الإشارة إلى حادثة حرق المجمع العلمي المصري في 16 كانون الأول/يناير 2011، التي قد أُتلفت على اثرها كثير من الوثائق والمخطوطات وما خرج من النار نُقل إلى مخزن متحف الجيزة. ومن هنا تبدأُ رحلة البحث التي تنتهي في أرشيف متحف العسكري بباريس بعد الإبحار في لجج المعلومات التي تقدمها خدمة Google، إلى جانب ذلك يُتابع المُتلقي أجواء مصر إبان حكم الفرنسيين، وما شهدته أرض الفراعنة على مستوى البنية الفوقية، لكن ما تعمتدُ عليه الرواية لشد وحداتها هو وقوع الإمبراطور نابليون في غرام زينب، ذات الستة عشرة عامًا من جانب، وعلاقة الأخيرة بألتون جرمان، الرسام الذي أبى أن يجندَ ريشته في خدمة المشروع الإمبراطوري من جانب آخر، وما يضفي مزيدًا من التوتر الدرامي لهذه القصة ثلاثية الأطراف أنَّ زينب هي ابنة أحد مشايخ الأزهر، غير أن موقعه الديني لا يمنعه من ارتياد ماينظمه الإمبراطور من حفلات باذخة برفقة ابنته، إلى أن تندمج زينبُ في حاشية نابليون، ومن ثمُ ينتشر خبر عشق القائد الفرنسي لفتاة مصرية، ويُفهم من سياق ما يتوارد من المعلومات في الرواية أن اندفاع نابليون في حبه لهذه الفتاة ما هو إلا رد فعل لخيانة عيشقته جوزفين مع رجل يدعي باوبليت، وهذا ما يذكرك بقصة خيانة أخري وردت في مطلع الرواية.

اقرأ/ي أيضًا: مقدمة في تطوّر الرواية الأوروبية الحديثة

صيغ متنوعة

يُشار إلى أنَّ الصيغ السردية لتحبيك مواد المسرودة جاءت متنوعة بين السرد الموضوعي والذاتي، كما وظّفت الكاتبة خبرتها في مجال الفن التشكيلي لصك عبارات مشحونة بإيحاءات بصرية، لا سيما في الشق الذي تستعرضُ فيه ياسمين موضوعة لوحات ألتون جرمان، التي ترصد معيش المواطن المصري وسلوكياته الحياتية، والكسبة بائع العرقسوس والسقا. يدفع الرسام ثمن منهجه المتبع في أعماله الفنية وعدم انصياعه إلى نزوات نابليون فيأمرُ الأخير بإقصاء لوحاته من موسوعة "وصف مصر".

ما يلفت الإنتباه في هذا السياف إنَّ لوحة زينب تنزعُ دور البطولة وتُمَثلُ نواةً في بناء الرواية، مثلما تجد الحالة ذاتها في رواية "السنة المفقودة" لبيدرو ميرال، و"عيناها" لبزورك علوي، و"شفيرة دافينشي" لدان براون. وما يزيدُ من أهمية هذا العمل الفني هو لحظة اكتشافها مُتزامنةً مع ما ساد عقب ثورة 25/يناير في مصر من القلق والتوتر وضبابية الرؤية، وهذا الموقف لا يختلف عما كانت تعيشه مصر في ظل دولة المماليك ومن ثم في عهد نابليون.

عبقرية مغمورة

يستشفُ المتلقي وجود رؤية غربية مختلفة لما سُجل في المدونات الاستشراقية في فهم تاريخ الشرق، إذ كانت الصورة المنطبعة على العقلية الغربية لهذه المنطقة الجغرافية هي ما نهلها الغربُ من حكايات "ألف ليلة وليلة" وقصائد المجون، فبالتالي غزت صورة شهوانية مُنمطة مخيلة الغربيين الأمر الذي يبدو بالوضوح في اللوحات التي رسمت نساء الشرق وجلسات الإمتاع والمؤانسة، لكن ألتون جرمان بخلاف الآخرين لم ينجرف وراء الاتجاه الحسي مثل ديلاكروا، ولا خلد بطولات نابليون كما فعل ذلك الرسام الشهير كارفايلي ودومنيك فيفانت دينون، إنما فضل سرد وجه آخر من الحدث، فبدلًا من الاهتمام بانتصارات فرنسا كان يستلهم إرادة المصريين وثورتهم على المحتل في لوحاته، كما صورَ معاناة الجنود بعد هزيمة الجيش الفرنسي في عكا، وتعاظم حجم الضحايا بعد استفحال وباء الطاعون.

لكن ما يجسد خزين عبقرية ألتون جرمان هو "لوحة زينب" التي ضمنها ضفائر شعرها التي قصتها حتى لا يعبث بها الإمبراطور الذي أعجب بتموج خصلاتها.

تعكس رواية "شغف" لرشا عدلي معرفة عميقة بلأماكن التاريخية في القاهرة، وأيضًا معرفة متينة في تاريخ الفن

قصة الحب بين ألتون زينب توازيها قصة شريف والخبيرة في تاريخ الفن ياسمين، كما أن رحلة التنقيب عن صاحب اللوحة واكتشاف هويته تأتي بمحاذاة قرار الاثنين تتويج علاقتهما برباط أبدي بعد ارتقاء تلك العلاقة إلى المستوى الحسي المباشر في باريس، وهذا ما يفرقها عما وصل إليه كل من زينب وألتون من نهاية تراجيدية، فالأولى يُقصف رأسها بعدما يتنكر لها الشيخ خليل البكري، والثاني يروح ضحية لوباء الطاعون.

اقرأ/ي أيضًا: قاهرة مكاوي سعيد

ما تجبُ الإشارة إليه أن هذه الرواية لها أبعاد نفسية وتاريخية وثقافية تُمثلها الشخصيات المتوزعة على جنباتها، والأحداث والإحالات إلى شخصيات تاريخية ودينية مثل كليبر وجلال الدين الرومي، هذا إضافة لما إلى البعد المكاني من دلالات ثرية مثل قونية بوصفها مدينة روحانية، والإسكندرية وما شهدته من الازدهار الثقافي والحضاري.

عطفاً على كل ما سلف ذكره فإنَّ رواية "شغف" تحتفي بنفحات الأماكن التاريخية في القاهرة، كما تنعكس ثقافة الروائية ودرايتها في تاريخ الفن داخل فضاء الرواية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

هزيمتنا في الرواية المصرية

هل كان دون كيشوت جزائريًا؟