رسالة متأخرة

رسالة متأخرة

هيرونيموس بوش/ هولندا

صديقي العزيز، هل تعرف أين أنا يا صديقي؟ أنا هناك، حيث وعدتك أن أذهب يومًا، لم أرد أن أبعث لك رسالة فيديو، أو صوت، أو حتى رسالة فيسبوكية، وأعرف أنك لا تحب الإيميلات، أردت أن أبعث لك بخط يدي هذا البريد. لا أدري إن كان ساعي البريد سيجلبها لك على دراجة أو وسيلة حديثة، أو ربما روبوت من سيجلبها إليك، لا يهم، ما يهمني أن تستلمها ظرفًا، تخرجها ورقًا، تشتمها معبأةً برائحة الحبر، مغبرةً بقدر كبر المسافة بيننا، ثم تقرأها وأنت تجلس على الأريكة التي لا تبعد عن الباب سوى خطوتين، تمامًا مثلما كنت تقرأ رسائل نورا.

عندما وصلت إلى هنا بحثت عنك أولًا، اعتقدت أننا جئنا سويًا. الحياة مختلفة هنا كثيرًا، فلم أعد أجد مكانًا لشرب القهوة صباحًا والاستماع لأغانينا، حتى إنني لم أجد الأغاني التي كانت معروفة والشاطئ الأزرق، كان مكانه صحراء أو حقل ألغام لم أذهب إلى تلك المناطق منذ زمن، كذلك النوادي والصالونات والبارات كلها مغلقة.

سألني مرّة أحدهم في الشارع أنه ربما يعرفني، هذا الشخص الوحيد الذي ادعى ذلك وعندما سألته عن تاريخ ميلاده كان بعد سفري بثلاثة أشهر، حيث موعد ولادة سناء. ربما هو ابني، لم أستطع أن أفصح له بذلك: "لا لا يخلق من الشبه أربعين يا بُني"، قُلتُ ومضيت عكس ما مضى هو. صادفته مرة أخرى بعد سنتين من تلك الحادثة، كان يتحدث إلى فتاة جميلة، كان يبدو سعيدًا، راقبته من بعيد، لكن سناء تأخرت كثيرًا، لا أعرف إذا كانت هي في مكان ما هنا أم لا. فلا يعقل أن يأتي ابننا قبلها، ثم أجبت نفسي "لا قانون في ذلك" ولكن؛ حرام.

نعم يا صديقي ستُفاجأ كثيرًا عندما تأتي وستتمنى لو لم تأتِ. كل شيء عن هذا الطرف من العالم كانوا يحكونه؛ كذب. أنا أشرب القهوة الآن لكنها بطعم الخس، وأمس وجدت امرأة تبيع البيرة على الطريق كان لونها أحمر، كل شيء هنا لا يشبهنا، كنا مخدوعين.

أتذكر آخر مرة كنا فيها معًا، كنت تخبرني عناوين الأخبار من الجريدة، وكنا نضحك أحيانًا، ونصرخ أحيانًا، ونتناقش بعد أن نشرب الشاي والقهوة، واحدة تلو الأخرى.

مشينا نحو دكانة أخيك أبي روان، بالمناسبة التقيته هو الآخر هنا، لكنه يسكن بعيدًا عني، لقد تغير كثيرًا بعد أن جاء إلى هنا لا بد أنك اشتقت إليه. هذا تقريبًا كل ما يحدث هنا، حافظ على ابتسامتك يا صديقي، ابقَ هناك حيث أنت، قل لسناء أن تبقى ما استطاعت أيضًا، ومني لها أن تنبت في حديقتها ثلاث ياسمينات جديدة، وأنت واصل شرب كأس العرق كأسين بدلًا مني.

صديقي العزيز... عمت حياة 

- عفوًا، أنت لا يمكنك أن ترسل رسائل لشخص لا يزال على قيد الحياة، طلبك مرفوض عد إلى مكانك لو سمحت.

اقرأ/ أيضًا:

سبعة أناشيد لأرضِ القيامةِ (1- 2)

لا شيء مستقيم