رسالة لمدراء القنوات الفضائية الجزائرية المستقلة

رسالة لمدراء القنوات الفضائية الجزائرية المستقلة

على الإعلام الجزائري المستقل أن يراجع نفسه في تعاطيه مع الحراك الشعبي (الجزيرة)

لست ممن يتفّه رصيد القنوات الفضائية المستقلّة، على مدار سبع سنوات، في المساهمة في صناعة رأيٍ عامٍّ وطنيٍّ جديد. ولستُ ممّن يضع جميع القنوات في سلّة واحدة. ولستُ ممّن يغضّ العين، بحكم كوني ابن المهنة، عن جملة الإكراهات الموضوعيّة، التّي حالت دون أن تكون قنوات كثيرة في "المستوى" باللّغة الشّعبيّة.

خلال تغطيتها للحراك الشعبي فتحت القنوات الجزائرية المستقلة المجال واسعًا لحد الابتذال لبعض الوجوه، في ظل تغييب للشباب!

كما أنني لستُ ممّن يُنكر أنّ كثيرًا من قنواتنا الخاصّة أفرزت لنا وجوهًا موهوبة في التّنشيط والإعداد والإخراج والتّصوير والتّصميم والدّيكور والصّوت والإضاءة، باتت تشكّل منصّة رائعة للدّخول إلى مقام الاحتراف في مجال السّمعيّ البصريّ، إن توفّرت جملة من الشّروط والمناخات والعقود المهنيّة المعفاة من التعسّفات والأمراض المعروفة في هذا الباب.

اقرأ/ي أيضًا: رسائل مثقفين وإعلاميين جزائريين إلى بوتفليقة وشقيقه: "ضيّعتم كل الفرص"

غير أنّني أقول لكم بكلّ محبّةٍ إنّني لاحظت خلال الأسابيع التّي رافقتم فيها الحراك الشّعبيّ بعض التّقصيرات، أسمح لنفسي بأن أذكرها لكم، حتّى تتفاودها مستقبلًا، وتكون لانخراطكم ثمار نحتاجها جميعًا، بصفتنا مجموعةً وطنيّة معنيّة بحاضر ومستقبل الوطن.

لقد فتحتم المجال واسعًا لبعض الوجوه لتكون حاضرة في معظم البلاتوهات. أحيانًا إلى درجة الابتذال، من حيث عدد الفرص، مع الاعتراف بأنّ كثيرًا من تلك الوجوه جديرة ومحترمة وعميقة ونزيهة، في ظلّ تغييب الشّباب، الذّي صنع الحدث في الميدان. بما يجعل هذا السّؤال جديرًا بالطّرح: ما الفرق بينكم وبين المحيط الرّئاسيّ في نزعته لتغييب الشّارع الجزائري في كلّ المقترحات، التّي قام باقتراحها، وأنتم تكتفون بمشاهد للشّباب المتظاهر، كخلفيّة للبلاتوهات النّخبويّة في استوديوهاتكم المركزيّة؟

ماذا تنتظرون من شباب كان وقود هذا الحراك، منذ لحظة المبادرة، إلى غاية هذه اللّحظة، التّي أريد فيها الالتفاف على مطالبه، وأنتم تركّزون على وجوه "نخبويّة" كانت مساهمتها زهيدةً،  في إطلاق الشّرارة، وفي تسييرها في الميدان، بما جعل الرّوح السّلميّة عقيدة شعبيّة، وفي تزويدها بمضامين جديدة، في مقاربة تفاصيل الحراك؟

إنّكم تملكون نخبة من المراسلين المحلّيين لا تقلّ خبرةً وكفاءةً عن خبرة وكفاءة الزّملاء في المقرّات المركزيّة في الجزائر العاصمة، فلماذا تكتفون بتسخيرها في نقل مشاهد المسيرات وأخذ الانطباعات السّريعة، ولا تستغلّونها في فتح حوارات ونقاشات مع الفاعلين الميدانيين في الحراك على المستويات الولائيّة؟

أليس من حقّ الشّاب الفاعل في تمنراست وتندوف وإليزي وسوق أهراس وتلمسان والبيّض وعنّابة وقسنطينة والنعامة والمسيلة والجلفة وبسكرة وورقلة وبجاية وبرج بوعريريج على سبيل المثال؛ أن يدلي بدلوه؟

إنّه من التعسّف، أيّها الزّملاء، أن تُباشروا نقاشاتٍ بخصوص تأطير الحراك، وأنتم لا تمنحون شاشاتكم وميكروفوناتكم لهؤلاء، فتساهموا في تحقيق وبلورة مشروع التّأطير، بعيدًا عن ثقافة الفرض، التّي باتت موضة في فيسبوك، حيث بتنا نتلقّى في كلّ عشر دقائق قائمةً بوجوه معيّنة من طرف هذا أو ذاك، في انتفاء واضح للفرق بين المحيط الرّئاسيّ والمحيط الثقافيّ، في باب فرض الوجوه من غير العودة إلى المصدر الشّعبيّ.

سواء تعلّق الأمر بالعدالة في نقل المعلومة ومنح الفرص، التّي تمنح للمنبر الإعلاميّ مصداقيته، أو بالحسّ/الواجب الوطنيّ والنّضاليّ، فإنّ القنوات الفضائيّة الخاصّة، مطالبة بأن تُعيد النّظر في طريقة مرافقتها للحراك، بمزيد من الانفتاح على وجوهه وجهاته وتوجّهاته. وإنّها فرصة تاريخيّة لها لتردم الهوّة، بينها وبين الشّارع، الذّي كان يُنادي، ضمن ما يرفعه من شعارات: "وينها الصّحافة؟".

شئنا أم أبينا، لا نستطيع أن ننكر أنّ وجود كثير من القنوات الخاصّة، كان ولايزال مكسبًا للحياة الجزائريّة. وإنّني لاحظت أنّ الشّارع تفهم تأخّرها في البداية عن حراكه، إذ كانت هي نفسها محتاجة إلى من يُحرّرها من قيود متعسّفة فرضتها عليها المرحلة البوتفليقيّة، وآن لها أن تردّ للشّعب فضله، بتطوير رؤيتها إلى مرافقتها لحراكه المجيد.

القنوات الجزائرية الخاصة مطالبة بإعادة النظر في طريقة تعاطيها مع الحراك الشعبي، سواءً من باب المهنية والمصداقية أو من باب الحس الوطني

أدرك أنّ ثمّة إكراهاتٍ ماليّةً وتكنولوجيّةً وإداريّةً، تجعل شغل كثير منكم صعبًا في الميدان. لكنّكم، رغم ذلك، مطالبون بروح الابتكار في تحقيق المرافقة الإيجابيّة والدّيمقراطيّة للحراك، حتّى يُحقق أهدافه، منها تطهير المشهد الإعلاميّ من الأوباش والغشّاش والالتفاف والاستخفاف والبيع والشراء خارج نبل السّوق. وأخيرًا: روحيّ تحيّي الجدير منكم. 

 

اقرأ/ي أيضًا:

حجب الإعلانات عن قناتين جزائريتين بسبب تغطيتهما "الواضحة" للحراك الشعبي!

مثقفو الجزائر والحراك الشعبي.. اعتراف ومراجعة