رسالة إلى سلطانة

رسالة إلى سلطانة

تشيهارو شيوتا/ اليابان

مضت ثلاث سنوات على لقائنا الأخير. كيف الحال يا سلطانة؟ كيف حال بيتنا في الشام؟ أما زال مثلما هو، عامر بالضيوف والموائد، أم أن الغبار احتل كلّ شيء؟ كيف حال جدار غرفتي المزّين بالصور واللوحات؟ كيف حال جيراننا؟ أفكر بكِ كثيرًا هذه الأيام، وحلمت بكِ كثيرًا في الليالي السابقة. عساه خيرًا. 

قالوا لي إنّك ذهبتِ إلى دمشق، لماذا ذهبتِ إلى هناك مرة أخرى؟ هل حقًا لا تشعرين بالارتياح سوى في بيتكِ في الشام؟ ألا تخافين الطرقات الخطرة والحواجز الأمنيّة والقذائف والمعارك هنا وهناك؟

سافرتِ إلى الاتحاد السوفيتي وهولندا وألمانيا وكوردستان العراق وإلى تركيا، حيث التقينا للمرة الأخيرة، عشتِ في القامشلي وقراها لكن لم يطب لكِ البقاء سوى في البيتِ الذي أشرفتِ على بنائه بنفسكِ. رأيتُ مفتاح بيت الشام معكِ في مدينة أضنة، حينها قلتِ لي بأنّك تحملينه معك أينما رحلتِ لأنّك ستعودين يومًا وتفتحين باب البيت مجددًا؛ ذلك الباب الذي كان مفتوحًا على الدوام. ربما كان قدرنا أن نتشبه بالفلسطينيين. كنتِ تقولين: نحن الأكراد نشبه الفلسطينيين بكلّ شيء، مأساتنا واحدة.

لا أعرف لم لا أقول لكِ هذا الكلام مباشرة، لا أعرف لماذا لا أتصل بكِ، ربما لأنّنا لم نتعلم كيف نعبّر عن مشاعرنا بشكل مباشر، تعلمنا أن نكون قساة من الخارج وضعفاء من الداخل، مثلك تمامًا. أعرف أنّك لن تقرأي هذه الرسالة، فأنتِ لا تقرأين ولا تكتبين وتتكلمين عربيّة سيئة. أنتِ أقوى امرأة كرديّة عرفتها حتى الآن.

اليوم كنت أحدث حبيبتي عنكِ. حبيبتي ألمانيّة لا تعرف جوان حاجو ولا تستمتع بصوت الشيخ إمام. واليوم نشر عمي جوان صورًا لكِ، كنا أنا وأخي واثنين من أعمامي معكِ في هذه الصور، إنّها صور قديمة، قد يكون عمرها خمس عشرة سنة. كنت شابة إذا ما أردنا مقارنة هذه الصور مع صورك الجديدة. 

لا أعرف إن كان هذا اشتياقًا، لا أعرف، مشاعري مختلطة. اعتقدت أنّني قطعت كلّ صلة لي بحياتي السابقة، بعائلتي، بأصدقائي، بدمشق، بكِ. لكن يبدو أن هذا غير صحيح، الآن على الأقل.

يا يادة.. أمي العربيّة نناديها "ماما" وأنتِ، جدتي الكرديّة نناديكِ "يادة"، وهي تعني أمي باللغة الكرديّة. وهي حقيقة. ألم توبيخينا كما تفعل الأمهات؟ ألم تطعمينا بيديك؟ ألم تشاركي بتربيتنا؟ أتذكر حين أحببت للمرة الأولى، كنت مراهقًا يعتقد نفسه معذبًا وكان بيتنا، مثلما جرت العادة مليئًا بالضيوف، حينها أخذتني إلى غرفة أخرى وسألتني عمّا بي. كنتِ تعرفين ما بنا من نظرة واحدة، كما تفعل الأمهات لا الجدّات. قلتُ لكِ بأنّني أحب واحدة من عائلة نعرفها. قلتِ لي: لا بأس لا بأس، غدًا تكبر وتحب كثيرين غيرها. لقد كبرتُ يا يادة وأحببتُ كثيرين غيرها. أنا اليوم كبير، هل تصدقين؟

حين أتذكر حياتي السابقة التي كنتِ جزءًا كبيرًا منها أتذكر وقوفَكِ أمام المطبخ وإعطائي صحنًا فارغًا وبعض الليرات لأشتري بعض المسبحة (الحمص كما يسميه البعض) من أجل تناول طعام الإفطار. يالهذه الذاكرة اللعينة. آه يا يادة لو فقط أستطيع أن أتخلص من هذه الذاكرة المتعِبة. 

يقولون أنّني مدلّلُكِ. قلتُ هذا لحبيبتي، قلتُ لها بأنّ كل الناس ينادونني دلو إلا أنتِ، كنت تنادين علي بابتسامة وتقولين دلدل. سألتكِ ذات يوم لماذا دلدل. فقلتِ لأنّك قلب قلبي.* 

جدتي.. يا قلب قلبي.. كوني بخير وعسى بلقاءٍ قريب يجمعنا رغم أنف الحواجز وجوازات السفر والحدود المقيتة.

* "دل" Del بالكردية تعني القلب. 

اقرأ/ أيضًا:

اخرج الآن أيها الوحيد

كأن أحدهم نسيَ حياته في أيامي